فهرس الكتاب

الصفحة 2447 من 4997

عليهم وتحققت فيهم: «إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ،وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ» ..

فلا ينفعهم الإيمان حينئذ لأنه لم يجئ عن اختيار.ولم تعد هنالك فرصة لتحقيق مدلوله في الحياة.ومنذ هنيهة كان أمامنا مشهد يصدق هذا.مشهد فرعون حين أدركه الغرق يقول: «آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ» ..فيقال له: «آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ؟!» .

وعند هذا الموقف الذي تظهر فيه حتمية سنن اللّه العامة،وانتهاؤها إلى نهايتها المرسومة،متى تعرض الإنسان لها باختياره،تفتح نافذة مضيئة بآخر شعاع من أشعة الأمل في النجاة.ذلك أن يعود المكذبون عن تكذيبهم قبيل وقوع العذاب: « فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها! إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا،وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ» ..

وهو تحضيض ينسحب على الماضي،فيفيد أن مدلوله لم يقع .. « فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ» من هذه القرى التي مر ذكرها.ولكن القرى لم تؤمن.إنما آمنت منها قلة،فكانت الصفة الغالبة هي صفة عدم الإيمان ..

ذلك فيما عدا قرية واحدة - والقرية:القوم،والتسمية هكذا إيذان بأن الرسالات كانت في قرى الحضر ولم تكن في محلات البدو - ولا يفصل السياق هنا قصة يونس وقومه،إنما يشير إلى خاتمتها هذه الإشارة لأن الخاتمة وحدها هي المقصودة هنا.فلا نزيدها نحن تفصيلا.وحسبنا أن ندرك أن قوم يونس كان عذاب مخز يتهددهم،فلما آمنوا في اللحظة الأخيرة قبل وقوعه كشف عنهم العذاب،وتركوا يتمتعون بالحياة إلى أجل.ولو لم يؤمنوا لحل العذاب بهم وفاقا لسنة اللّه المترتبة آثارها على تصرفات خلقه ..حسبنا هذا لندرك أمرين هامين:

أولهما:الإهابة بالمكذبين أن يتعلقوا بخيوط النجاة الأخيرة،فلعلهم ناجون كما نجا قوم يونس من عذاب الخزي في الحياة الدنيا.وهو الغرض المباشر من سياقة القصة هذا المساق ..

وثانيهما:أن سنة اللّه لم تتعطل ولم تقف بكشف هذا العذاب،وترك قوم يونس يتمتعون فترة أخرى.

بل مضت ونفذت.لأن مقتضى سنة اللّه كان أن يحل العذاب بهم لو أصروا على تكذيبهم حتى يجيء.فلما عدلوا قبل مجيئه جرت السنة بإنجائهم نتيجة لهذا العدول.فلا جبرية إذن في تصرفات الناس،ولكن الجبرية في ترتيب آثارها عليها [1] .

(1) - وقد جرينا على هذه القاعدة في تفسير آيات المشيئة،فلم تلتو علينا حتى الآن. وعلى اللّه التوفيق. ( السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت