فهرس الكتاب

الصفحة 2448 من 4997

ومن ثم ترد القاعدة الكلية في الكفر والإيمان: «وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا.أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ؟ وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ،وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ» ..

ولو شاء ربك لخلق هذا الجنس البشري خلقة أخرى،فجعله لا يعرف إلا طريقا واحدا هو طريق الإيمان كالملائكة مثلا.أو لجعل له استعدادا واحدا يقود جميع أفراده إلى الإيمان.

ولو شاء كذلك لأجبر الناس جميعا وقهرهم عليه،حتى لا تكون لهم إرادة في اختياره.

ولكن حكمة الخالق التي قد ندرك بعض مراميها وقد لا ندرك،دون أن ينفي عدم إدراكنا لها وجودها.

هذه الحكمة اقتضت خلقة هذا الكائن البشري باستعداد للخير وللشر وللهدى والضلال.ومنحته القدرة على اختيار هذا الطريق أو ذاك.وقدرت أنه إذا أحسن استخدام مواهبه اللدنية من حواس ومشاعر ومدارك،ووجهها إلى إدراك دلائل الهدى في الكون والنفس وما يجيء به الرسل من آيات وبينات،فإنه يؤمن ويهتدي بهذا الإيمان إلى طريق الخلاص.وعلى العكس حين يعطل مواهبه ويغلق مداركه ويسترها عن دلائل الإيمان يقسو قلبه،ويستغلق عقله،وينتهي بذلك إلى التكذيب أو الجحود،فإلى ما قدره اللّه للمكذبين الجاحدين من جزاء ..

فالإيمان إذن متروك للاختيار.لا يكره الرسول عليه أحدا.لأنه لا مجال للإكراه في مشاعر القلب وتوجهات الضمير: «أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ؟» ..

وهو سؤال للإنكار،فإن هذا الإكراه لا يكون: «وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ» :

وفق سنته الماضية التي بيناها.فلا تصل إلى الإيمان وقد سارت في الطريق الآخر الذي لا يؤدي إليه.لا أنها تريد الإيمان وتسلك طريقه ثم تمنع عنه،فهذا ليس المقصود بالنص.بل المقصود أنها لا تصل إلى الإيمان إلا إذا سارت وفق إذن اللّه وسنته في الوصول إليه من طريقه المرسوم بالسنة العامة.وعندئذ يهديها اللّه ويقع لها الإيمان بإذنه.فلا شيء يتم وقوعه إلا بقدر خاص به.إنما الناس يسيرون في الطريق.فيقدر اللّه لهم عاقبة الطريق،ويوقعها بالفعل جزاء ما جاهدوا في اللّه ليهتدوا ..

ويدل على هذا عقب الآية: «وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ» ..

فالذين عطلوا عقولهم عن التدبر،يجعل الرجس عليهم.والرجس أبشع الدنس الروحي،فهؤلاء ينالهم ذلك الرجس بسبب تعطيلهم لمداركهم عن التعقل والتدبر،وانتهاؤهم بهذا إلى التكذيب والكفران.

ويزيد الأمر إيضاحا بأن الآيات والنذر لا تغني عن الذين لا يؤمنون لأنهم لا يتدبرونها وهي معروضة أمامهم في السماوات والأرض: «قُلِ:انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ.وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ» ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت