الطواغيت في أرجاء الأرض والأصنام! ومن ثم لا بد لهذه الطلائع من أن تجد نفسها وموقفها كله في هذا القرآن في مثل هذا الأوان ..وهذا بعض ما نعنيه حين نقول: «إن هذا القرآن لا يتذوقه إلا من يخوض مثل هذه المعركة.ويواجه مثل تلك المواقف التي تنزل فيها ليواجهها ويوجهها،وإن الذين يتلمسون معاني القرآن ودلالاته وهم قاعدون يدرسونه دراسة بيانية أو فنية لا يملكون أن يجدوا من حقيقته شيئا في هذه القعدة الباردة الساكنة،بعيدا عن المعركة،وبعيدا عن الحركة ...» .
ثم يمضي السياق يواجه الذين يكفرون به ويزعمون أنه مفترى من دون اللّه،ويكذبون على اللّه سبحانه وعلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - وذلك في مشهد من مشاهد القيامة يعرض فيه الذين يفترون على اللّه الكذب.سواء بقولهم:إن اللّه لم ينزل هذا الكتاب،أو بادعائهم شركاء للّه.أو بدعواهم في الربوبية الأرضية وهي من خصائص الألوهية ..يجمل النص هنا الإشارة لتشمل كل ما يوصف بأنه كذب على اللّه.
هؤلاء يعرضون في مشهد يوم القيامة للتشهير بهم وفضيحتهم على رؤوس الأشهاد.وفي الجانب الآخر المؤمنون المطمئنون إلى ربهم وما ينتظرهم من نعيم.ويضرب للفريقين مثلا:الأعمى والأصم والبصير والسميع: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا؟ أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ،وَيَقُولُ الْأَشْهادُ:هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ.أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ.الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجًا،وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ.أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ،وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ،يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ،ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ.أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ،لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ.إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ،أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ.مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ.هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا؟ أَفَلا تَذَكَّرُونَ؟» .
إن افتراء الكذب في ذاته جريمة نكراء،وظلم للحقيقة ولمن يفتري عليه الكذب.فما بال حين يكون هذا الافتراء على اللّه؟
«أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ،وَيَقُولُ الْأَشْهادُ:هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ» .
إنه التشهير والتشنيع.بالإشارة: «هؤلاء» .. «هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا» ..وعلى من؟ «عَلى رَبِّهِمْ» لا على أحد آخر! إن جو الفضيحة هو الذي يرتسم في هذا المشهد،تعقبها اللعنة المناسبة لشناعة الجريمة: «أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ» ..
يقولها الأشهاد كذلك.والأشهاد هم الملائكة والرسل والمؤمنون،أو هم الناس أجمعون.فهو الخزي والتشهير - إذن - في ساحة العرض الحاشدة! أو هو قرار اللّه سبحانه في شأنهم إلى جانب ذلك الخزي والتشهير على رؤوس الأشهاد: «أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ» ..
والظالمون هم المشركون.وهم الذين يفترون الكذب على ربهم ليصدوا عن سبيل اللّه.