«وَيَبْغُونَها عِوَجًا» ..فلا يريدون الاستقامة ولا الخطة المستقيمة،إنما يريدونها عوجا والتواء وانحرافا.يريدون الطريق أو يريدون الحياة أو يريدون الأمور ..كلها بمعنى .. «وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ» ويكرر «هم» مرتين للتوكيد وتثبيت الجريمة وإبرازها في مقام التشهير.
والذين يشركون باللّه - سبحانه - وهم الظالمون - إنما يريدون الحياة كلها عوجا حين يعدلون عن استقامة الإسلام.وما تنتج الدينونة لغير اللّه - سبحانه - إلا العوج في كل جانب من جوانب النفس،وفي كل جانب من جوانب الحياة.
إن عبودية الناس لغير اللّه سبحانه تنشئ في نفوسهم الذلة وقد أراد اللّه أن يقيمها على الكرامة.وتنشئ في الحياة الظلم والبغي وقد أراد اللّه أن يقيمها على القسط والعدل.وتحول جهود الناس إلى عبث في تأليه الأرباب الأرضية والطبل حولها والزمر،والنفخ فيها دائما لتكبر حتى تملأ مكان الرب الحقيقي.ولما كانت هذه الأرباب في ذاتها صغيرة هزيلة لا يمكن أن تملأ فراغ الرب الحقيقي،فإن عبادها المساكين يظلون في نصب دائب،وهمّ مقعد مقيم ينفخون فيها ليل نهار،ويسلطون عليها الأضواء والأنظار،ويضربون حولها بالدفوف والمزامير والترانيم والتسابيح،حتى يستحيل الجهد البشري كله من الإنتاج المثمر للحياة إلى هذا الكد البائس النكد وإلى هذا الهم المقعد المقيم ..فهل وراء ذلك عوج وهل وراء ذلك التواء؟! «أولئك» ..
البعداء المبعدون الملعونون. «لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ» ..فلم يكن أمرهم معجزا للّه،ولو شاء لأخذهم بالعذاب في الدنيا ..
«وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ» ..ينصرونهم أو يمنعونهم من اللّه.إنما تركهم لعذاب الآخرة،ليستوفوا عذاب الدنيا وعذاب الآخرة: «يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ» ..
فقد عاشوا معطلي المدارك مغلقي البصائر كأن لم يكن لهم سمع ولا بصر: «ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ» .. «أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ» ..
وهي أفدح الخسارة،فالذي يخسر نفسه لا يفيد شيئا مما كسب غيرها وأولئك خسروا أنفسهم فأضاعوها في الدنيا،لم يحسوا بكرامتهم الآدمية التي تتمثل في الارتفاع عن الدينونة لغير اللّه من العبيد.كما تتمثل في الارتفاع عن الحياة الدنيا والتطلع - مع المتاع بها - إلى ما هو أرقى وأسمى.وذلك حين كفروا بالآخرة،وحين كذبوا على ربهم غير متوقعين لقاءه.وخسروا أنفسهم في الآخرة بهذا الخزي الذي ينالهم،وبهذا العذاب الذي ينتظرهم .. «وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ» ..
غاب عنهم فلم يهتد إليهم ولم يجتمع عليهم ما كانوا يفترونه من الكذب على اللّه.فقد تبدد وذهب وضاع.
«لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ» ..الذين لا تعدل خسارتهم خسارة.وقد أضاعوا أنفسهم دنيا وأخرى.