فهرس الكتاب

الصفحة 2497 من 4997

إن الهول هنا هولان.هول في الطبيعة الصامتة،وهول في النفس البشرية يلتقيان: «وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ» ..

وفي هذه اللحظة الرهيبة الحاسمة يبصر نوح،فإذا أحد أبنائه في معزل عنهم وليس معهم،وتستيقظ في كيانه الأبوة الملهوفة، ويروح يهتف بالولد الشارد: «يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ» .

ولكن البنوة العاقة لا تحفل بالأبوة الملهوفة،والفتوة المغرورة لا تقدر مدى الهول الشامل: «قال:سآوي إلى جبل يعصمني من الماء» ..

ثم ها هي ذي الأبوة المدركة لحقيقة الهول وحقيقة الأمر ترسل النداء الأخير: «قالَ:لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ» .لا جبال ولا مخابئ ولا حام ولا واق.إلا من رحم اللّه.

وفي لحظة تتغير صفحة المشهد.فها هو ذا الموج الغامر يبتلع كل شيء: «وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ» ..

وإننا بعد آلاف السنين،لنمسك أنفاسنا - ونحن نتابع السياق - والهول يأخذنا كأننا نشهد المشهد.وهي تجري بهم في موج كالجبال،ونوح الوالد الملهوف يبعث بالنداء تلو النداء.وابنه الفتى المغرور يأبي إجابة الدعاء،والموجة الغامرة تحسم الموقف في سرعة خاطفة راجفة وينتهي كل شيء، وكأن لم يكن دعاء ولا جواب! وإن الهول هنا ليقاس بمداه في النفس الحية - بين الوالد والمولود - كما يقاس بمداه في الطبيعة،والموج يطغى على الذرى بعد الوديان.وإنهما لمتكافئان،في الطبيعة الصامتة وفي نفس الإنسان.وتلك سمة بارزة في تصوير القرآن.

وتهدأ العاصفة،ويخيم السكون،ويقضى الأمر،ويتمشى الاستقرار كذلك في الألفاظ وفي إيقاعها في النفس والأذن: «وَقِيلَ:يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ،وَيا سَماءُ أَقْلِعِي،وَغِيضَ الْماءُ،وَقُضِيَ الْأَمْرُ،وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ،وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» ..

ويوجه الخطاب إلى الأرض وإلى السماء بصيغة العاقل،فتستجيب كلتاهما للأمر الفاصل فتبلع الأرض،وتكف السماء: «وَقِيلَ:يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي» ..

«وَغِيضَ الْماءُ» ..ابتلعته الأرض في جوفها وغار من سطحها.

«وَقُضِيَ الْأَمْرُ» ..ونفذ القضاء «وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ» ..

ورست رسو استقرار على جبل الجودي .. «وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» ..

وهي جملة مختصرة حاسمة معبرة عن جوها أعمق تعبير .. «قيل» على صيغة المجهول فلا يذكر من قال،من قبيل لف موضوعهم ومواراته: «وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» ..بعدا لهم من الحياة فقد ذهبوا،وبعدا لهم من رحمة اللّه فقد لعنوا،وبعدا لهم من الذاكرة فقد انتهوا ..

وما عادوا يستحقون ذكرا ولا ذكرى! والآن وقد هدأت العاصفة،وسكن الهول،واستوت على الجودي.الآن تستيقظ في نفس نوح لهفة الوالد المفجوع:«وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ،فَقالَ:رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت