إن قصة يوسف - كما جاءت في هذه السورة - تمثل النموذج الكامل لمنهج الإسلام في الأداء الفني للقصة،بقدر ما تمثل النموذج الكامل لهذا المنهج في الأداء النفسي والعقيدي والتربوي والحركي أيضا ..ومع أن المنهج القرآني واحد في موضوعه وفي أدائه،إلا أن قصة يوسف تبدو وكأنها المعرض المتخصص في عرض هذا المنهج من الناحية الفنية للأداء!
إن القصة تعرض شخصية يوسف - عليه السلام - وهي الشخصية الرئيسية في القصة - عرضا كاملا في كل مجالات حياتها،بكل جوانب هذه الحياة،وبكل استجابات هذه الشخصية في هذه الجوانب وفي تلك المجالات.وتعرض أنواع الابتلاء ات التي تعرضت لها تلك الشخصية الرئيسية في القصة وهي ابتلاء ات متنوعة في طبيعتها وفي اتجاهاتها ..ابتلاء ات الشدة وابتلاء ات الرخاء.وابتلاء ات الفتنة بالشهوة،والفتنة بالسلطان.وابتلاء ات الفتنة بالانفعالات والمشاعر البشرية تجاه شتى المواقف وشتى الشخصيات ..ويخرج العبد الصالح من هذه الابتلاء ات والفتن كلها نقيا خالصا متجردا في وقفته الأخيرة،متجها إلى ربه بذلك الدعاء المنيب الخاشع كما أسلفنا في نهاية الفقرة السابقة.
وإلى جانب عرض الشخصية الرئيسية في القصة تعرض الشخصيات المحيطة بدرجات متفاوتة من التركيز.
وفي مساحات متناسبة من رقعة العرض،وعلى أبعاد متفاوتة من مركز الرؤية،وفي أوضاع خاصة من الأضواء والظلال ..وتتعامل القصة مع النفس البشرية في واقعيتها الكاملة.متمثلة في نماذج متنوعة:نموذج يعقوب الوالد المحب الملهوف والنبي المطمئن الموصول ..ونموذج إخوة يوسف وهواتف الغيرة والحسد والحقد والمؤامرة والمناورة،ومواجهة آثار الجريمة،والضعف والحيرة أمام هذه المواجهة،متميزا فيهم أحدهم بشخصية موحدة السمات في كل مراحل القصة ومواقفها ..ونموذج امرأة العزيز بكل غرائزها ورغائبها واندفاعاتها الأنثوية،كما تصنعها وتوجهها البيئة المصرية الجاهلية في بلاط الملوك،إلى جانب طابعها الشخصي الخاص الواضح في تصرفها وضوح انطباعات البيئة ..ونموذج النسوة من طبقة العلية في مصر الجاهلية! والأضواء التي تلقيها على البيئة،ومنطقها كما يتجلى في كلام النسوة عن امرأة العزيز وفتاها،وفي إغرائهن كذلك ليوسف وتهديد امرأة العزيز له في مواجهتهن جميعا.وما وراء أستار القصور ودسائسها ومناوراتها،كما يتجلى في سجن يوسف بصفة خاصة ..ونموذج «العزيز» وعليه ظلال طبقته وبيئته في مواجهة جرائم الشرف من خلال مجتمعه! ..ونموذج «الملك» في خطفة يتوارى بعدها كما توارى العزيز في منطقة الظلال بعيدا عن منطقة الأضواء في مجال العرض المتناسق ..وتبرز الملامح البشرية واضحة صادقة بواقعية كاملة في هذا الحشد من الشخصيات والبيئات،وهذا الحشد من المواقف والمشاهد،وهذا الحشد من الحركات والمشاعر ..
ومع استيفاء القصة لكل ملامح «الواقعية» السليمة المتكاملة وخصائصها في كل شخصية وفي كل موقف وفي كل خالجة ..فإنها تمثل النموذج الكامل لمنهج الإسلام في الأداء الفني للقصة،ذلك الأداء