فهرس الكتاب

الصفحة 2571 من 4997

الصادق،الرائع بصدقه العميق وواقعيته السليمة ..المنهج الذي لا يهمل خلجة بشرية واقعية واحدة،وفي الوقت ذاته لا ينشئ مستنقعا من الوحل يسميه «الواقعية» كالمستنقع الذي أنشأته «الواقعية» الغربية الجاهلية! وقد ألمت القصة بألوان من الضعف البشري بما فيها لحظة الضعف الجنسي،ودون أن تزوّر - أي تزوير - في تصوير النفس البشرية بواقعيتها الكاملة في هذه المواقف،ودون أن تغفل أية لمحة حقيقية من لمحات النفس أو الموقف،فإنها لم تسف قط لتنشىء ذلك المستنقع المقزز للفطرة السليمة،ذلك الذي يسمونه في جاهلية القرن العشرين «الواقعية» أو يسمونه أخيرا «الطبيعية!» .

وظلت القصة صورة نظيفة للأداء الواقعي الكامل مع تنوع الشخصيات وتنوع المواقف:

إخوة يوسف ..والأحقاد الصغيرة في قلوبهم تكبر وتتضخم حتى تحجب عن ضمائرهم هول الجريمة وبشاعتها ونكارتها وضخامتها! ثم تزين لهم «المحلل الشرعي!» الذي يخرجون به من تلك الجريمة ..

ملاحظا في هذا واقعيتهم في بيئتهم الدينية - وهم أولاد نبي اللّه يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - عليهم صلوات اللّه وسلامه - وانطباعات هذه البيئة في تفكيرهم ومشاعرهم وتقاليدهم،وحاجتهم النفسية - من ثم - إلى مبرر للجريمة،وإلى طريقة للتحلل من نكارتها وبشاعتها: « لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ.إِذْ قالُوا:لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا - وَنَحْنُ عُصْبَةٌ - إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ! اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ،وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صالِحِينَ! قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ:لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ،يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ - إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ! - قالُوا:يا أَبانا،ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ.أَرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ،وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ! قالَ:إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ،وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ.قالُوا:لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخاسِرُونَ.فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ،وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ.وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ،قالُوا:يا أَبانا،إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ،وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ،وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ.وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ،قالَ:بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا،فَصَبْرٌ جَمِيلٌ،وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ» ..

ونحن نجدهم - هم هم - في كل مواقف القصة بعد ذلك - كما نجد موقف أحدهم الخاص من أول القصة إلى آخرها - فما إن يذهبوا بأخي يوسف بعد ما طلبه منهم وهم لا يعرفونه يحسبون أنه عزيز مصر الذي قدموا من بلادهم - كنعان - ليشتروا منه القمح في سنوات الجدب العجاف،حيث يدبر اللّه ليوسف أن يأخذ أخاه منهم بحجة أنه وجد صواع الملك في رحله ..ما إن يروا هذا التدبير - وهم لا يعلمون ما وراءه - حتى ينفجر حقدهم القديم على يوسف: «قالوا:إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل! فأسرّها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم.قال:أنتم شر مكانا،واللّه أعلم بما تصفون» ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت