فهرس الكتاب

الصفحة 2572 من 4997

كذلك نجدهم - هم هم - بعد مواجهة أبيهم بالفجيعة الثانية في شيخوخته الحزينة،فما إن يروا تجدد حزنه على يوسف حتى ينفجر حقدهم القديم،دون مراعاة لشيخوخة أبيهم ونكبته الأليمة:

«وتولى عنهم وقال:يا أسفا على يوسف! وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم.قالوا:تاللّه تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين!» ..

ومثلها عند ما أرسل يوسف قميصه إلى أبيه في النهاية - بعد ما كشف لهم عن شخصيته - فلما رأوا أباهم يستنشق عبير يوسف،غاظهم هذا الاتصال الباطني الدال على عمق ما بينه وبين يوسف،فلم يملكوا أنفسهم أن يبكتوه ويؤنبوه: «ولما فصلت العير قال أبوهم:إني لأجد ريح يوسف،لولا أن تفندون! قالوا:تاللّه إنك لفي ضلالك القديم!» ..

وامرأة العزيز ..في صرع الشهوة التي تعمي عن كل شيء في اندفاعها الهائج الكاسح،فلا تحفل حياء أنثويا ولا كبرياء ذاتيا،كما لا تحفل مركزا اجتماعيا ولا فضيحة عائلية ..والتي تستخدم - مع ذلك - كل مكر الأنثى وكيدها،سواء في تبرئة نفسها أو حماية من تهوى من جرائر التهمة التي ألصقتها به،وتحديد عقوبة لا تودي بحياته! أو رد الكيد للنسوة من ثغرة الضعف الغريزي الشهوي الذي تعرفه فيهن من معرفتها لنفسها! أو التبجح بشهوانيتها أمام انكشاف ضعف عزيمتها وكبريائها أمام من تهوى،ووقوف نسوتها معها على أرض واحدة،حيث تبدو فيها الأنثى متجردة من كل تجمل المرأة وحيائها،الأنثى التي لا تحس في إرواء هواتفها الأنثوية أمرا يعاب أصلا! ومع صدق التصوير والتعبير عن هذا النموذج البشري الخاص بكل واقعيته،وعن هذه اللحظة الخاصة بكل طبيعيتها،فإن الأداء القرآني - الذي ينبغي أن يكون هو النموذج الأعلى للأداء الفني الإسلامي - لم يتخل عن طابعه النظيف مرة واحدة - حتى وهو يصور لحظة التعري النفسي والجسدي الكامل بكل اندفاعها وحيوانيتها - لينشىء ذلك المستنقع الكريه الذي يتمرغ في وحله كتاب «القصة الواقعية» وكتاب «القصة الطبيعية» في هذه الجاهلية النكدة بحجة الكمال الفني في الأداء! «وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته:أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا.وكذلك مكنا ليوسف في الأرض،ولنعلمه من تأويل الأحاديث،واللّه غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما،وكذلك نجزي المحسنين.وراودته التي هو في بيتها عن نفسه،وغلّقت الأبواب وقالت:هيت لك! قال:معاذ اللّه! إنه ربي أحسن مثواي،إنه لا يفلح الظالمون.ولقد همّت به وهم بها،لولا أن رأى برهان ربه.كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء،إنه من عبادنا المخلصين.

واستبقا الباب،وقدّت قميصه من دبر،وألفيا سيدها لدى الباب،قالت:ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم؟! قال:هي راودتني عن نفسي،وشهد شاهد من أهلها:إن كان قميصه قدّ من قبل فصدقت وهو من الكاذبين.وإن كان قميصه قدّ من دبر فكذبت وهو من الصادقين.فلما رأى قميصه قدّ من دبر قال:إنه من كيدكن،إن كيدكن عظيم! يوسف أعرض عن هذا،واستغفري لذنبك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت