إنك كنت من الخاطئين! ..وقال نسوة في المدينة:امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه! قد شغفها حبا! إنا لنراها في ضلال مبين! فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن،وأعتدت لهن متكأ،وآتت كل واحدة منهن سكينا،وقالت:اخرج عليهن! فلما رأينه أكبرنه،وقطّعن أيديهن،وقلن:حاش للّه! ما هذا بشرا،إن هذا إلا ملك كريم.قالت:فذلكن الذي لمتنني فيه! ولقد راودته عن نفسه فاستعصم،ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين.قال:رب،السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه،وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين.فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن،إنه هو السميع العليم» ..
وكذلك حين نلتقي بها مرة أخرى بعد ما دخل يوسف السجن بسبب كيدها وكيد النسوة وبقي هناك حتى رأى الملك رؤياه،وتذكر الفتى الذي كان سجينا معه أن يوسف هو وحده الذي يعرف تأويل الرؤيا،فطلب الملك أن يأتوه به،فأبى حتى يحقق قضيته،ويبرىء ساحته،فاستدعاها الملك مع النسوة.وإذا بها ما تزال المرأة المحبة،مع التغير الطبيعي الواقعي الذي يحدثه الزمن والعمر والأحداث والظروف ومع تسرب الإيمان الذي تعرفه من يوسف من خلال تلك المشاعر والمؤثرات جميعا: « وقال الملك:ائتوني به.فلما جاءه الرسول قال:ارجع إلى ربك فاسأله:ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن؟ إن ربي بكيدهن عليم.قال:ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه؟ قلن:حاش للّه! ما علمنا عليه من سوء.قالت امرأة العزيز:الآن حصحص الحق،أنا راودته عن نفسه،وإنه لمن الصادقين.ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب،وأن اللّه لا يهدي كيد الخائنين.وما أبرىء نفسي،إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي،إن ربي غفور رحيم» ..
ويوسف ..العبد الصالح - الإنسان - لم يزوّر الأداء القرآني في شخصيته الإنسانية لمحة واحدة وهو يواجه الفتنة بكل بشريته - مع نشأته في بيت النبوة وتربيته ودينه - وبشريته مع نشأته وتربيته ودينه تمثل بمجموعها واقعيته بكل جوانبها ..لقد ضعف حين همت به حتى هم بها ولكن الخيط الآخر شده وأنقذه من السقوط فعلا.ولقد شعر بضعفه إزاء كيد النسوة.ومنطق البيئة،وجو القصور،ونسوة القصور أيضا! ولكنه تمسك بالعروة الوثقى ..ليست هنالك لمحة واحدة مزوّرة في واقعية الشخصية وطبيعيتها وليس هنالك رائحة من مستنقعات الجاهلية ووحلها الفني! ذلك أن هذا هو الواقع السليم بكل جوانبه ..والعزيز ..وشخصيته بطبيعتها الخاصة،وبطبيعة سمت الإمارة ثم بضعف النخوة،وغلبة الرياء الاجتماعي وستر الظواهر وإنقاذها! وفيه تتمثل كل خصائص بيئته: «فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ،قالَ:إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ،إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ.يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا،وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ،إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ!» ..
والنسوة ..نسوة هذا المجتمع بكل ملامحه ..اللغط بسيرة امرأة العزيز وفتاها الذي راودته عن نفسه،بعد ما شغفها حبا! والاستنكار الذي تبدو فيه غيرة النسوة من امرأة العزيز أكثر مما يبدو فيه