تحتوي،الإيمان باللّه،والإيمان بالآخرة،وتوحيد اللّه وعدم الشرك به أصلا،ومعرفة اللّه سبحانه بصفاته ..الواحد،القهار ..والحكم بعدم وجود حقيقة ولا سلطان لغيره أصلا ومن ثم نفي الأرباب التي تتحكم في رقاب العباد،وإعلان السلطان والحكم للّه وحده،ما دام أن اللّه أمر ألا يعبد الناس غيره.ومزاولة السلطان والحكم والربوبية هي تعبيد للناس مخالف للأمر بعبادة اللّه وحده.وتحديد معنى «العبادة» بأنها الخضوع للسلطان والحكم والإذعان للربوبية،وتعريف الدين القيم بأنه إفراد اللّه سبحانه بالعبادة - أي إفراده بالحكم - فهما مترادفان أو متلازمان: «إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ،أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ.ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ» ..وهذه هي أوضح صورة للإسلام وأكملها وأدقها وأشملها ..
وواضح أن يوسف - عليه السلام - عند ما سيطر على مقاليد الأمور في مصر،استمر في دعوته للإسلام على هذا النحو الواضح الكامل الدقيق الشامل ..ولا بد أن الإسلام انتشر في مصر على يديه - وهو يقبض على أقوات الناس وأزوادهم لا على مجرد مقاليد الحكم بينهم - وانتشر كذلك في البقاع المجاورة ممن كانت وفودها تجيء لتقتات مما تم ادخاره بحكمته وتدبيره - وقد رأينا إخوة يوسف يجيئون من أرض كنعان المجاورة في الأردن ضمن غيرهم من القوافل ليمتاروا من مصر ويتزودوا،مما يصور حالة الجدب التي حلت بالمنطقة كلها في هذه الفترة.
والقصة تشير إلى آثار باهتة للعقيدة الإسلامية التي عرف الرعاة شيئا عنها في أول القصة،كما تشير إلى انتشار هذه العقيدة ووضوحها بعد دعوة يوسف بها.
والإشارة الأولى وردت في حكاية قول النسوة حين طلع عليهن يوسف: «فلما رأينه أكبرنه،وقطّعن أيديهن وقلن:حاش للّه! ما هذا بشرا.إن هذا إلا ملك كريم» ..
ووردت في قول العزيز لامرأته: «يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين» ..
أما الإشارة الثانية الواضحة فقد جاءت على لسان امرأة العزيز التي يتجلى أنها آمنت بعقيدة يوسف وأسلمت في النهاية،فيما حكاه عنها السياق القرآني:
«قالت امرأة العزيز:الآن حصحص الحق،أنا راودته عن نفسه،وإنه لمن الصادقين،ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب،وأن اللّه لا يهدي كيد الخائنين.وما أبرىء نفسي.إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي،إن ربي غفور رحيم» ..
وإذا اتضح أن ديانة التوحيد - على هذا المستوي - كانت قد عرفت قبل تولي يوسف مقاليد الحكم في مصر فلا بد أن تكون قد انتشرت بعد ذلك واستقرت على نطاق واسع في أثناء توليه الحكم،ثم من بعد ذلك في عهد أسر الرعاة.فلما استرد الفراعنة زمام الأمور في الأسرة الثامنة عشرة أخذوا يقاومون ديانة التوحيد ممثلة في ذرية يعقوب التي تكاثرت في مصر،لإعادة الوثنية التي تقوم عليها الفرعونية! ...