فهرس الكتاب

الصفحة 2581 من 4997

وهذا يكشف لنا سببا أصيلا من أسباب اضطهاد الفراعنة بعد ذلك لبني إسرائيل - أي يعقوب - إلى جانب السبب السياسي،وهو أنهم جاءوا واستوطنوا وحكموا واستقروا في عهد ملوك الرعاة الوافدين.

فلما طرد المصريون ملوك الرعاة طاردوا حلفاءهم من بني إسرائيل أيضا ..وإن كان اختلاف العقيدتين ينبغي أن يكون هو التفسير الأقوى لذلك الاضطهاد الفظيع.ذلك أن انتشار عقيدة التوحيد الصحيحة يحطم القاعدة التي يقوم عليها ملك الفراعين! فهي العدو الأصيل للطواغيت وحكم الطواغيت وربوبية الطواغيت! ولقد وردت إشارة إلى هذا الذي نقرره في حكاية القرآن الكريم لقول مؤمن آل فرعون في سورة غافر في دفاعه الإسلامي المجيد عن موسى عليه السلام،في وجه فرعون وملئه عند ما همّ فرعون بقتل موسى،ليقتل معه الخطر الذي يتهدد ملكه كله من عقيدة التوحيد التي جاء بها موسى: «وقال فرعون:ذروني أقتل موسى وليدع ربه،إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد.وقال موسى:إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب.وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه:أتقتلون رجلا أن يقول:ربي اللّه؟ وقد جاءكم بالبينات من ربكم،وإن يك كاذبا فعليه كذبه،وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم،إن اللّه لا يهدي من هو مسرف كذاب.يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض.فمن ينصرنا من بأس اللّه إن جاءنا؟ قال فرعون:ما أريكم إلا ما أرى.وما أهديكم إلا سبيل الرشاد.وقال الذي آمن:يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب.مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم،وما اللّه يريد ظلما للعباد،ويا قوم إني أخاف علكيم يوم التناد.يوم تولون مدبرين ما لكم من اللّه من عاصم،ومن يضلل اللّه فما له من هاد ..ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به،حتى إذا هلك قلتم:لن يبعث اللّه من بعده رسولا،كذلك يضل اللّه من هو مسرف مرتاب.الذين يجادلون في آيات اللّه بغير سلطان أتاهم.كبر مقتا عند اللّه وعند الذين آمنوا! كذلك يطبع اللّه على كل قلب متكبر جبار ...إلخ» ..

فقد كان الصراع الحقيقي بين عقيدة التوحيد التي تفرد اللّه سبحانه بالربوبية،فتفرده بالعبادة - أي بالدينونة والخضوع والاتباع لحاكميته وحده - وبين الفرعونية التي تقوم على أساس العقيدة الوثنية،ولا تقوم إلا بها.

ولعل التوحيد الناقص المشوه الذي عرف به «أخناتون» لم يكن إلا أثرا من الآثار المضطربة التي بقيت

من التوحيد الذي نشره يوسف عليه السلام في مصر كما أسلفنا وبخاصة إذا صح ما يقال في التاريخ من أن أم أخناتون كانت آسيوية ولم تكن فرعونية! وبعد هذا الاستطراد نعود إلى اللمحات الدالة على طبيعة الفترة التاريخية التي وقعت فيها أحداث القصة وتحركت فيها أشخاصها.فنجدها تتجاوز حدود الرقعة المصرية،وتسجل طابع العصر كله.فواضح تماما انطباع هذه الفترة الزمنية بالرؤى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت