إنها الصورة الباهرة لتجلي حقيقة الألوهية في قلب من قلوب الصفوة المختارة.وهي تحمل الإيحاء المناسب لفترة الشدة في حياة الجماعة المسلمة في مكة كما أنها تحمل الإيحاء الدائم بالحقيقة الإيمانية الكبيرة،لكل قلب يعمل في حقل الدعوة والحركة بالإسلام على مدار الزمان أيضا.
وأخيرا نجيء إلى التعقيبات المتنوعة التي جاءت بعد القصة الطويلة إلى نهاية السورة.
إن التعقيب الأول والمباشر يواجه تكذيب قريش بالوحي إلى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - بتقرير مأخوذ من هذا القصص الذي لم يكن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - حاضرا وقائعه:
« ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك،وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون» ..
وهذا التعقيب يترابط مع التقديم للقصة في الاتجاه ذاته: «نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ،وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ» ..
والتقديم والتعقيب على هذا النحو يؤلفان مؤثرا موحيا من المؤثرات الكثيرة في سياق السورة،لتقرير الحقيقة التي يعرضانها،وتوكيدها في مواجهة الاعتراض والتكذيب.
ومن ثم يعقب ذلك التسرية عن قلب رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وتهوين أمر المكذبين على نفسه.وبيان مدى عنادهم وإصرارهم وعماهم عن الآيات المبثوثة في كتاب الكون،وهي حسب الفطرة السليمة في التنبه إلى دلائل الإيمان،والاستماع إلى الدعوة والبرهان.ثم تهديدهم بعذاب اللّه الذي قد يفاجئهم وهم غافلون: «وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ.وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ،إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ.وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ.وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ.أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ؟» ..
وهي إيقاعات مؤثرة بقدر ما تحمل من حقائق عميقة عن طبيعة الناس حين لا يدينون بدين اللّه الصحيح.وبخاصة في قوله تعالى: «وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ» ..
فهذا هو التصوير العميق لكثير من النفوس التي يختلط فيها الإيمان بالشرك،لأنها لم تحسم في قضية التوحيد.
وهنا يجيء الإيقاع الكبير العميق المؤثر الموحي،بتوجيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى تحديد طريقه وتميزها وإفرادها عن كل طريق،والمفاصلة على أساسها الواضح الفريد: «قُلْ:هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي،وَسُبْحانَ اللَّهِ،وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ» ..
ثم تختم السورة بإيقاع آخر يحمل عبرة القصص القرآني كله،في هذه السورة وفي سواها.يحملها للنبي - صلى الله عليه وسلم - والقلة المؤمنة معه،ومعها التثبيت والتسرية والبشرى ويحملها للمشركين المعاندين،ومعها التذكير والعظة والنذير.كما أن فيها للجميع تقريرا لصدق الوحي وصدق الرسول وتقريرا لحقيقة الوحي وحقيقة الرسالة،مع تخليص هذه الحقيقة من الأوهام والأساطير:«وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا