« كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ،إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ» ..
«وَاسْتَبَقَا الْبابَ» ..فهو قد آثر التخلص بعد أن استفاق ..وهي عدت خلفه لتمسك به،وهي ما تزال في هياجها الحيواني.
«وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ» ..نتيجة جذبها له لترده عن الباب ..
وتقع المفاجأة: «وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ» ..
وهنا تتبدى المرأة المكتملة،فتجد الجواب حاضرا على السؤال الذي يهتف به المنظر المريب.إنها تتهم الفتى: «قالَتْ:ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا؟» ..
ولكنها امرأة تعشق،فهي تخشى عليه،فتشير بالعقاب المأمون. «إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ» ! ويجهر يوسف بالحقيقة في وجه الاتهام الباطل: «قالَ:هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي» !
وهنا يذكر السياق أن أحد أهلها حسم بشهادته في هذا النزاع: «وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها:إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ،وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ» ..فأين ومتى أدلى هذا الشاهد بشهادته هذه؟ هل كان مع زوجها (سيدها بتعبير أهل مصر) وشهد الواقعة؟
أم أن زوجها استدعاه وعرض عليه الأمر،كما يقع في مثل هذه الأحوال أن يستدعي الرجل كبيرا من أسرة المرأة ويطلعه على ما رأى،وبخاصة تلك الطبقة الباردة الدم المائعة القيم! هذا وذلك جائز.وهو لا يغير من الأمر شيئا.وقد سمي قوله هذا شهادة،لأنه لما سئل رأيه في الموقف والنزاع المعروض من الجانبين - ولكل منها ومن يوسف قول - سميت فتواه هذه شهادة،لأنها تساعد على تحقيق النزاع والوصول إلى الحق فيه [1] ..فإن كان قميصه قد من قبل فذلك إذن من أثر مدافعتها له وهو يريد
(1) - قلت:الذي شهد بذلك طفل نطق في المهد كما ورد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ،قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلاَّ ثَلاثَةٌ:عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ،وَشَاهِدُ يُوسُفَ،وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ،وَابْنُ مَاشِطَةَ بِنْتِ فِرْعَوْنَ"المستدرك للحاكم مشكلا [3 /282] (4161) صحيح"
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:لَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي أُسْرِيَ بِي فِيهَا،أَتَتْ عَلَيَّ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ،فَقُلْتُ:يَا جِبْرِيلُ،مَا هَذِهِ الرَّائِحَةُ الطَّيِّبَةُ ؟ فَقَالَ:هَذِهِ رَائِحَةُ مَاشِطَةِ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ وَأَوْلادِهَا،قَالَ:قُلْتُ:وَمَا شَأْنُهَا ؟ قَالَ:بَيْنَا هِيَ تُمَشِّطُ ابْنَةَ فِرْعَوْنَ ذَاتَ يَوْمٍ،إِذْ سَقَطَتِ الْمِدْرَى مِنْ يَدَيْهَا،فَقَالَتْ:بِسْمِ اللهِ . فَقَالَتْ لَهَا ابْنَةُ فِرْعَوْنَ:أَبِي ؟ قَالَتْ:لاَ،وَلَكِنْ رَبِّي،وَرَبُّ أَبِيكِ اللَّهُ . قَالَتْ:أُخْبِرُهُ بِذَلِكَ قَالَتْ:نَعَمْ . فَأَخْبَرَتْهُ فَدَعَاهَا،فَقَالَ:يَا فُلانَةُ،وَإِنَّ لَكِ رَبًّا غَيْرِي ؟ قَالَتْ:نَعَمْ،رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ . فَأَمَرَ بِبَقَرَةٍ مِنْ نُحَاسٍ فَأُحْمِيَتْ،ثُمَّ أَمَرَ بِهَا أَنْ تُلْقَى هِيَ وَأَوْلادُهَا فِيهَا،قَالَتْ لَهُ:إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً . قَالَ:وَمَا حَاجَتُكِ ؟ قَالَتْ:أُحِبُّ أَنْ تَجْمَعَ عِظَامِي وَعِظَامَ وَلَدِي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ،وَتَدْفِنَنَا . قَالَ:ذَلِكَ لَكِ عَلَيْنَا مِنَ الحَقِّ . قَالَ:فَأَمَرَ بِأَوْلادِهَا فَأُلْقُوا بَيْنَ يَدَيْهَا،وَاحِدًا وَاحِدًا،إِلَى أَنِ انْتَهَى ذَلِكَ إِلَى صَبِيٍّ لَهَا مُرْضَعٍ،كَأَنَّهَا تَقَاعَسَتْ مِنْ أَجْلِهِ،قَالَ:يَا أُمَّهْ،اقْتَحِمِي،فَإِنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ،فَاقْتَحَمَتْ،قَالَ:قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:تَكَلَّمَ أَرْبَعَةٌ صِغَارٌ:عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ،وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ،وَشَاهِدُ يُوسُفَ،وَابْنُ مَاشِطَةِ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ. مسند أحمد (عالم الكتب) [1 /788] ((2821) 2822) صحيح وانظر تفسير ابن كثير - دار طيبة [4 /384] وتفسير الطبري - مؤسسة الرسالة [16 /54] (19099)