له:أدرك عبدي،فجاء فضربه في صدره ..إلى آخر هذه التصورات الأسطورية التي سار وراءها بعض الرواة وهي واضحة التلفيق والاختراع! [1]
وأما جمهور المفسرين فسار على أنها همت به هم الفعل،وهم بها هم النفس،ثم تجلى له برهان ربه فترك.
وأنكر المرحوم الشيخ رشيد رضا في تفسير المنار على الجمهور هذا الرأي.وقال:إنها إنما همت بضربه نتيجة إبائه وإهانته لها وهي السيدة الآمرة،وهم هو برد الاعتداء ولكنه آثر الهرب فلحقت به وقدت قميصه من دبر ..وتفسير الهم بأنه هم الضرب ورد الضرب مسألة لا دليل عليها في العبارة،فهي مجرد رأي لمحاولة البعد بيوسف عن هم الفعل أو هم الميل إليه في تلك الواقعة.وفيه تكلف وإبعاد عن مدلول النص.
أما الذي خطر لي وأنا أراجع النصوص هنا،وأراجع الظروف التي عاش فيها يوسف،في داخل القصر مع هذه المرأة الناضجة فترة من الزمن طويلة،وقبل أن يؤتى الحكم والعلم وبعد ما أوتيهما ..
الذي خطر لي أن قوله تعالى: «وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ» ..
هو نهاية موقف طويل من الإغراء،بعد ما أبى يوسف في أول الأمر واستعصم ..وهو تصوير واقعي صادق لحالة النفس البشرية الصالحة في المقاومة والضعف ثم الاعتصام باللّه في النهاية والنجاة ..ولكن السياق القرآني لم يفصل في تلك المشاعر البشرية المتداخلة المتعارضة المتغالبة لأن المنهج القرآني لا يريد أن يجعل من هذه اللحظة معرضا يستغرق أكثر من مساحته المناسبة في محيط القصة،وفي محيط الحياة البشرية المتكاملة كذلك.فذكر طرفي الموقف بين الاعتصام في أوله والاعتصام في نهايته،مع الإلمام بلحظة الضعف بينهما،ليكتمل الصدق والواقعية والجو النظيف جميعا.
هذا ما خطر لنا ونحن نواجه النصوص،ونتصور الظروف.وهو أقرب إلى الطبيعة البشرية وإلى العصمة النبوية.وما كان يوسف سوى بشر.نعم إنه بشر مختار.ومن ثم لم يتجاوز همه الميل النفسي في لحظة من اللحظات.فلما أن رأى برهان ربه الذي نبض في ضميره وقلبه،بعد لحظة الضعف الطارئة،عاد إلى الاعتصام والتأبي [2] .
(1) - قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في الفتاوى (10/297) :"وَأَمَّا مَا يُنْقَلُ:مِنْ أَنَّهُ حَلَّ سَرَاوِيلَهُ وَجَلَسَ مَجْلِسَ الرَّجُلِ مِنْ الْمَرْأَةِ وَأَنَّهُ رَأَى صُورَةَ يَعْقُوبَ عَاضًّا عَلَى يَدِهِ وَأَمْثَالَ ذَلِكَ فَكُلُّهُ مِمَّا لَمْ يُخْبِرْ اللَّهُ بِهِ وَلَا رَسُولُهُ وَمَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَإِنَّمَا هُوَ مَأْخُوذٌ عَنْ الْيَهُودِ الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ كَذِبًا عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَقَدْحًا فِيهِمْ وَكُلُّ مَنْ نَقَلَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَعَنْهُمْ نَقَلَهُ ؛ لَمْ يَنْقُلْ مِنْ ذَلِكَ أَحَدٌ عَنْ نَبِيِّنَا - صلى الله عليه وسلم - حَرْفًا وَاحِدًا .". وانظر:الإسرائيليات في كتب التفسير لمحمد أبو شهبة (ص 220 - 225) .
(2) - قال الزمخشري في الكشاف: «فإن قلت:كيف جاز على نبي اللّه أن يكون منه هم بالمعصية وقصد إليها قلت:المراد أن نفسه مالت إلى المخالطة،ونازعت إليها عن شهوة الشباب وقرمه ميلا يشبه الهم به والقصد إليه،وكما تقتضيه صورة تلك الحال التي تكاد تذهب بالعقول والعزائم،وهو يكسر ما به ويرده بالنظر في برهان اللّه المأخوذ على المكلفين من وجوب اجتناب المحارم. ولو لم يكن ذلك الميل الشديد المسمى هما لشدته لما كان صاحبه ممدوحا عند اللّه بالامتناع،لأن استعظام الصبر على الابتلاء على حسب عظم الابتلاء وشدته» ..تفسير الكشاف مع الحواشى موافقا للمطبوع [2 /456] .
وهو تعليل صحيح في جملته بغض النظر عن الإشارة الاعتزالية في قول الزمخشري: «ويرده بالنظر في برهان اللّه المأخوذ على المكلفين من وجوب اجتناب المحارم» . فهو إشارة منه إلى مذهب المعتزلة في أن البرهان عقلي. والبرهان الذي أخذه اللّه على المكلفين هو ما قرره في شريعته ..
ولكن هذا خلاف مذهبي تاريخي لا شأن لنا به. فهو بجملته غريب على التصور الإسلامي! ( السيد رحمه الله )