فهرس الكتاب

الصفحة 2601 من 4997

فهذه البيئة التي تسمح بهذا وذلك بيئة خاصة.هي بيئة الطبقة المترفة دائما.ويوسف كان فيها مولى وتربى فيها في سن الفتنة ..فهذه هي المحنة الطويلة التي مر بها يوسف،وصمد لها،ونجا منها ومن تأثيراتها ومغرياتها وميوعتها ووسائلها الخبيثة.ولسنه وسن المرأة التي يعيش معها تحت سقف واحد كل هذه المدة قيمة في تقدير مدى الفتنة وخطورة المحنة والصمود لها هذا الأمد الطويل.أما هذه المرة فلو كانت وحدها وكانت مفاجأة بلا تمهيد من إغراء طويل،لما كان عسيرا أن يصمد لها يوسف،وبخاصة أنه هو مطلوب فيها لا طالب.وتهالك المرأة قد يصد من نفس الرجل.وهي كانت متهالكة.

والآن نواجه النصوص: «وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ،وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ،وَقالَتْ:هَيْتَ لَكَ!» ..

وإذن فقد كانت المراودة في هذه المرة مكشوفة،وكانت الدعوة فيها سافرة إلى الفعل الأخير ..وحركة تغليق الأبواب لا تكون إلا في اللحظة الأخيرة،وقد وصلت المرأة إلى اللحظة الحاسمة التي تهتاج فيها دفعة الجسد الغليظة،ونداء الجسد الأخير: «وَقالَتْ:هَيْتَ لَكَ!» .

هذه الدعوة السافرة الجاهرة الغليظة لا تكون أول دعوة من المرأة.إنما تكون هي الدعوة الأخيرة.

وقد لا تكون أبدا إذا لم تضطر إليها المرأة اضطرارا.والفتى يعيش معها وقوته وفتوته تتكامل،وأنوثتها هي كذلك تكمل وتنضج،فلا بد كانت هناك إغراءات شتى خفيفة لطيفة،قبل هذه المفاجأة الغليظة العنيفة.

« قالَ:مَعاذَ اللَّهِ.إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ.إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ» ..

«مَعاذَ اللَّهِ» ..أعيذ نفسي باللّه أن أفعل. «إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ» ..وأكرمني بأن نجاني من الجب وجعل في هذه الدار مثواي الطيب الآمن. «إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ» ..الذين يتجاوزون حدود اللّه،فيرتكبون ما تدعينني اللحظة إليه.

والنص هنا صريح وقاطع في أن رد يوسف المباشر على المراودة السافرة كان هو التأبي،المصحوب بتذكر نعمة اللّه عليه،وبتذكر حدوده وجزاء من يتجاوزون هذه الحدود.فلم تكن هناك استجابة في أول الموقف لما دعته إليه دعوة غليظة جاهرة بعد تغليق الأبواب،وبعد الهتاف باللفظ الصريح الذي يتجمل القرآن في حكايته وروايته: «وَقالَتْ:هَيْتَ لَكَ» .

«وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ» ! لقد حصر جميع المفسرين القدامى والمحدثين نظرهم في تلك الواقعة الأخيرة.فأما الذين ساروا وراء الإسرائيليات فقد رووا أساطير كثيرة يصورون فيها يوسف هائج الغريزة مندفعا شبقا،واللّه يدافعه ببراهين كثيرة فلا يندفع! صورت له هيئة أبيه يعقوب في سقف المخدع عاضا على أصبعه بفمه! وصورت له لوحات كتبت عليها آيات من القرآن - أي نعم من القرآن! - تنهى عن مثل هذا المنكر،وهو لا يرعوي! حتى أرسل اللّه جبريل يقول

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت