فهرس الكتاب

الصفحة 2617 من 4997

الحق واضحا في موقفه،وتعلن براءته - على الأشهاد - من الوشايات والدسائس والغمز في الظلام ..لقد رباه ربه وأدبه.

ولقد سكبت هذه التربية وهذا الأدب في قلبه السكينة والثقة والطمأنينة.فلم يعد معجلا ولا عجولا! إن أثر التربية الربانية شديد الوضوح في الفارق بين الموقفين:الموقف الذي يقول يوسف فيه للفتى:اذكرني عند ربك،والموقف الذي يقول له فيه:ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن،والفارق بين الموقفين بعيد ..

«قالَ:ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ:ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ؟ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ» .

لقد رد يوسف أمر الملك باستدعائه حتى يستوثق الملك من أمره،وحتى يتحقق من شأن النسوة اللاتي قطعن أيديهن ..بهذا القيد ..تذكيرا بالواقعة وملابساتها وكيد بعضهن لبعض فيها وكيدهن له بعدها ..وحتى يكون هذا التحقق في غيبته لتظهر الحقيقة خالصة،دون أن يتدخل هو في مناقشتها ..كل أولئك لأنه واثق من نفسه،واثق من براءته،مطمئن إلى أن الحق لا يخفى طويلا،ولا يخذل طويلا.

ولقد حكى القرآن عن يوسف استعمال كلمة «رب» بمدلولها الكامل،بالقياس إليه وبالقياس إلى رسول الملك إليه.فالملك رب هذا الرسول لأنه هو حاكمه الذي يدين لسلطانه.واللّه رب يوسف لأنه هو حاكمه الذي يدين لسلطانه ..ورجع الرسول فأخبر الملك وأحضر الملك النسوة يستجوبهن - والسياق يحذف هذا لنعلمه مما يليه: «قالَ:ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ؟» ..

والخطب:الأمر الجلل والمصاب.فكأن الملك كان قد استقصى فعلم أمرهن قبل أن يواجههن،وهو المعتاد في مثل هذه الأحوال،ليكون الملك على بينة من الأمر وظروفه قبل الخوض فيه.فهو يواجههن مقررا الاتهام،ومشيرا إلى أمر لهن جلل أو شأن لهن خطير: «ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ؟» .

ومن هذا نعلم شيئا مما دار في حفل الاستقبال في بيت الوزير ما قالته النسوة ليوسف وما لمّحن به وأشرن إليه،من الإغراء الذي يبلغ درجة المراودة.ومن هذا نتخيل صورة لهذه الأوساط ونسائها حتى في ذلك العهد الموغل في التاريخ.فالجاهلية دائما هي الجاهلية.إنه حيثما كان الترف،وكانت القصور والحاشية،كان التخلل والتميع والفجور الناعم الذي يرتدي ثياب الأرستقراطية! وفي مثل هذه المواجهة بالاتهام في حضرة الملك،يبدو أنه لم يكن هنالك مجال للإنكار: «قُلْنَ:حاشَ لِلَّهِ! ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ» ! وهي الحقيقة التي يصعب إنكارها.ولو من مثل هؤلاء النسوة.فقد كان أمر يوسف إذن من النصاعة والوضوح بحيث لا يقوم فيه جدال.

وهنا تتقدم المرأة المحبة ليوسف،التي يئست منه،ولكنها لا تستطيع أن تخلص من تعلقها به ..تنقدم لتقول كل شيء في صراحة: «قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ:الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ.أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ.وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ» ..الآن حصحص الحق وظهر ظهورا واضحا لا يحتمل الخفاء:«أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت