فهرس الكتاب

الصفحة 2618 من 4997

لَمِنَ الصَّادِقِينَ» ..وزادت ما يكشف عن أن قلبها لم يخل من إيثاره ورجاء تقديره والتفاته بعد كل هذا الأمد وما يشي كذلك بأن عقيدة يوسف قد أخذت طريقها إلى قلبها فآمن: «ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ،وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ» ..وهذا الاعتراف وما بعده يصوره السياق هنا بألفاظ موحية،تشي بما وراءها من انفعالات ومشاعر.

كما يشي الستار الرقيق بما وراءه في ترفع وتجمل في التعبير: «أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ،وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ» ..

شهادة كاملة بنظافته وبراءته وصدقه.لا تبالي المرأة ما وراءها مما يلم بها هي ويلحق بأردانها ..فهل هو الحق وحده الذي يدفعها لهذا الإقرار الصريح في حضرة الملك والملأ؟

يشي السياق بحافز آخر،هو حرصها على أن يحترمها الرجل المؤمن الذي لم يعبأ بفتنتها الجسدية.أن يحترمها تقديرا لإيمانها ولصدقها وأمانتها في حقه عند غيبته: «ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ» ..

ثم تمضي في هذه المحاولة والعودة إلى الفضيلة التي يحبها يوسف ويقدرها: «وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ» ..

وتمضي خطوة أخرى في هذه المشاعر الطيبة: «وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي،إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي،إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ» ..

إنها امرأة أحبت.امرأة تكبر الرجل الذي تعلقت به في جاهليتها وإسلامها،فهي لا تملك إلا أن تظل معلقة بكلمة منه،أو خاطرة ارتياح تحس أنها صدرت عنه!

وهكذا يتجلى العنصر الإنساني في القصة،التي لم تسق لمجرد الفن،إنما سيقت للعبرة والعظة.وسيقت لتعالج قضية العقيدة والدعوة.ويرسم التعبير الفني فيها خفقات المشاعر وانتفاضات الوجدان رسما رشيقا رفيقا شفيفا.في واقعة كاملة تتناسق فيها جميع المؤثرات وجميع الواقعيات في مثل هذه النفوس،في ظل بيئتها ومؤثرات هذه البيئة كذلك.

وإلى هنا تنتهي محنة السجن ومحنة الاتهام،وتسير الحياة بيوسف رخاء،الاختبار فيه بالنعمة لا بالشدة.

وإلى هنا نقف في هذا الجزء من الظلال،وتتابع القصة سيرها في الجزء التالي إن شاء اللّه.

انتهى الجزء الثاني عشر ويليه الجزء الثالث عشر مبدوءا بقوله تعالى: « وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي ...»

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت