المتفتحة،والحصيد الهشيم.لحظة تأمل في الطائر السابح في الفضاء،والسمك السابح في الماء،والدود السارب والنمل الدائب،وسائر الحشود والأمم من الحيوان والحشرات والهوام ..لحظة تأمل في صبح أو مساء،في هدأة الليل أو في زحمة النهار ..لحظة واحدة يتسمع فيها القلب البشري إلى إيقاعات هذا الوجود العجيب ..
إن لحظة واحدة لكافية لارتعاش هذا القلب بقشعريرة الإدراك الرهيب،والتأثر المستجيب.ولكنهم «يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ» ..لذلك لا يؤمن الأكثرون!
وحتى الذين يؤمنون،كثير منهم يتدسس الشرك - في صورة من صوره - إلى قلوبهم.فالإيمان الخالص يحتاج إلى يقظة دائمة تنفي عن القلب أولا بأول كل خالجة شيطانية،وكل اعتبار من اعتبار ات هذه الأرض في كل حركة وكل تصرف،لتكون كلها للّه،خالصة له دون سواه.والإيمان الخالص يحتاج إلى حسم كامل في قضية السلطان على القلب وعلى التصرف والسلوك فلا تبقى في القلب دينونة إلا للّه سبحانه،ولا تبقى في الحياة عبودية إلا للمولى الواحد الذي لا راد لما يريد: «وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ» ..مشركون قيمة من قيم هذه الأرض في تقريرهم للأحداث والأشياء والأشخاص.مشركون سببا من الأسباب مع قدرة اللّه في النفع أو الضر سواء.مشركون في الدينونة لقوة غير قوة اللّه من حاكم أو موجه لا يستمد من شرع اللّه دون سواه.مشركون في رجاء يتعلق بغير اللّه من عباده على الإطلاق.مشركون في تضحية يشوبها التطلع إلى تقدير الناس.مشركون في جهاد لتحقيق نفع أو دفع ضر ولكن لغير اللّه.مشركون في عبادة يلحظ فيها وجه مع وجه اللّه ..عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،"فِي قَوْلِهِ:"فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا"،قَالَ:الأَنْدَادُ هُوَ الشِّرْكُ، أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ عَلَى صَفَاةٍ سَوْدَاءَ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ:وَاللَّهِ، وَحَيَاتِكَ يَا فُلانَةُ، وَحَيَاتِي، وَيَقُولُ:لَوْلا كَلْبُهُ هَذَا لأَتَانَا اللُّصُوصُ، وَلَوْلا الْبَطُّ فِي الدَّارِ لأَتَى اللُّصُوصُ، وَقَوْلُ الرَّجُلِ لِصَاحِبِهِ:مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ، وَقَوْلُ الرَّجُلِ:لَوْلا اللَّهُ وَفُلانٌ، لا تَجْعَلْ فِيهَا فُلانًا ؛ فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ بِهِ شِرْكٌ". [1]
وعَنْ أَبِي عَلِيٍّ رَجُلٍ مِنْ بَنِي كَاهِلٍ قَالَ:خَطَبَنَا أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ فَقَالَ:يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا هَذَا الشِّرْكَ ؛ فَإِنَّهُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ .فَقَامَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ حَزْنٍ،وَقَيْسُ بْنُ المُضَارِبِ فَقَالاَ:وَاللَّهِ لَتَخْرُجَنَّ مِمَّا قُلْتَ،أَوْ لَنَأْتِيَنَّ عُمَرَ مَأْذُونٌ لَنَا،أَوْ غَيْرُ مَأْذُونٍ .قَالَ:بَلْ أَخْرُجُ مِمَّا قُلْتُ،خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ:أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا هَذَا الشِّرْكَ ؛ فَإِنَّهُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ .فَقَالَ لَهُ:مَنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ وَكَيْفَ نَتَّقِيهِ،وَهُوَ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ:قُولُوا:اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ نُشْرِكَ بِكَ شَيْئًا نَعْلَمُهُ،وَنَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لاَ نَعْلَمُ. [2]
وفي الأحاديث نماذج من هذا الشرك الخفي:
(1) - تفسير ابن أبي حاتم [1 /58] (227) صحيح
(2) - مسند أحمد (عالم الكتب) [6 /614] (19606) 19835 حسن لغيره