وعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ،أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ قَالُوا:وَمَا الشِّرْكُ الأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ:الرِّيَاءُ،يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ:إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ:اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاؤُونَ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً. [1]
فهذا هو الشرك الخفي الذي يحتاج إلى اليقظة الدائمة للتحرز منه ليخلص الإيمان.
وهناك الشرك الواضح الظاهر،وهو الدينونة لغير اللّه في شأن من شؤون الحياة.الدينونة في شرع يتحاكم إليه - وهو نص في الشرك لا يجادل عليه - والدينونة في تقليد من التقاليد كاتخاذ أعياد ومواسم يشرعها الناس ولم يشرعها اللّه.والدينونة في زيّ من الأزياء يخالف ما أمر اللّه به من الستر ويكشف أو يحدد العورات التي نصت شريعة اللّه أن تستر ..
والأمر في مثل هذه الشؤون يتجاوز منطقة الإثم والذنب بالمخالفة حين يكون طاعة وخضوعا ودينونة لعرف اجتماعي سائد من صنع العبيد،وتركا للأمر الواضح الصادر من رب العبيد ..إنه عندئذ لا يكون ذنبا،ولكنه يكون شركا.لأنه يدل على الدينونة لغير اللّه فيما يخالف أمر اللّه ..وهو من هذه الناحية أمر خطير ..
ومن ثم يقول اللّه: «وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ» ..فتنطبق على من كان يواجههم رسول اللّه في الجزيرة،وتشمل غيرهم على تتابع الزمان وتغير المكان.
وبعد فما الذي ينتظره أولئك المعرضون عن آيات اللّه المعروضة في صفحات الوجود،بعد إعراضهم عن آيات القرآن التي لا يسألون عليها أجرا؟ ماذا ينتظرون؟
«أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ،أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ؟» ..وهي لمسة قوية لمشاعرهم،لإيقاظهم من غفلتهم،وليحذروا عاقبة هذه الغفلة.فإن عذاب اللّه الذي لا يعلم موعده أحد،قد يغشاهم اللحظة بغاشية تلفهم وتشملهم،وربما تكون الساعة على الأبواب فيطرقهم اليوم الرهيب المخيف بغتة وهم لا يشعرون ..إن الغيب موصد الأبواب،لا تمتد إليه عين ولا أذن،ولا يدري أحد ماذا سيكون اللحظة،فكيف يأمن الغافلون؟
وإذا كانت آيات هذا القرآن الذي يحمل دليل الرسالة،وكانت الآيات التي يحفل بها الكون معروضة للأنظار ..إذا كانت هذه وتلك يمرون عليها وهم عنها معرضون،ويشركون باللّه شركا ظاهرا أو خفيا وهم الأكثرون.فالرسول - صلى الله عليه وسلم - ماض في طريقه ومن اهتدى بهديه،لا ينحرفون ولا يتأثرون بالمنحرفين: «قُلْ:هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي،وَسُبْحانَ اللَّهِ! وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ» .
«قُلْ:هذِهِ سَبِيلِي» ..واحدة مستقيمة،لا عوج فيها ولا شك ولا شبهة.
(1) - مسند أحمد (عالم الكتب) [7 /799] (23630) 24030 صحيح