فهرس الكتاب
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4) وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (5) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (6) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (7) [الرعد:2 - 7]
والسماوات - أيا كان مدلولها وأيا كان ما يدركه الناس من لفظها في شتى العصور - معروضة على الأنظار،هائلة - ولا شك - حين يخلو الناس إلى تأملها لحظة.وهي هكذا لا تستند إلى شيء.مرفوعة «بغير عمد» مكشوفة «ترونها» ..
هذه هي اللمسة الأولى في مجالي الكون الهائلة وهي بذاتها اللمسة الأولى للوجدان الإنساني،وهو يقف أمام هذا المشهد الهائل يتملاه ويدرك أنه ما من أحد يقدر على رفعها بلا عمد - أو حتى بعمد - إلا اللّه وقصارى ما يرفعه الناس بعمد أو بغير عمد تلك البنيان الصغيرة الهزيلة القابعة في ركن ضيق من الأرض لا تتعداه.ثم يتحدث الناس عما في تلك البنيان من عظمة ومن قدرة ومن إتقان،غافلين عما يشملهم ويعلوهم من سماوات مرفوعة بغير عمد وعما وراءها من القدرة الحقة والعظمة الحقة،والإتقان الذي لا يتطاول إليه خيال إنسان!
ومن هذا المنظور الهائل الذي يراه الناس،إلى المغيب الهائل الذي تتقاصر دونه المدارك والأبصار: «ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ» ..فإن كان علو فهذا أعلى.وإن كانت عظمة فهذا أعظم.وهو الاستعلاء المطلق،يرسمه في صورة على طريقة القرآن في تقريب الأمور المطلقة لمدارك البشر المحدودة.
وهي لمسة أخرى هائلة من لمسات الريشة المعجزة.لمسة في العلو المطلق إلى جانب اللمسة الأولى في العلو المنظور،تتجاوران وتتسقان في السياق ..
ومن الاستعلاء المطلق إلى التسخير.تسخير الشمس والقمر.تسخير العلو المنظور للناس على ما فيه من عظمة أخاذة،أخذت بألبابهم في اللمسة الأولى،ثم إذا هي مسخرة بعد ذلك للّه الكبير المتعال.
ونقف لحظة أمام التقابلات المتداخلة في المشهد قبل أن نمضي معه إلى غايته.فإذا نحن أمام ارتفاع في الفضاء المنظور يقابله ارتفاع في الغيب المجهول.وإذا نحن أمام استعلاء يقابله التسخير.وإذا نحن أمام الشمس والقمر يتقابلان في الجنس:نجم وكوكب،ويتقابلان في الأوان،بالليل والنهار ..
ثم نمضي مع السياق ..فمع الاستعلاء والتسخير الحكمة والتدبير: «كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى» ..
وإلى حدود مرسومة،ووفق ناموس مقدر.سواء في جريانهما في فلكيهما دورة سنوية ودورة يومية.