فهرس الكتاب

الصفحة 2666 من 4997

أو جريانهما في مداريهما لا يتعديانه ولا ينحرفان عنه.أو جريانهما إلى الأمد المقدر لهما قبل أن يحول هذا الكون المنظور.

«يُدَبِّرُ الْأَمْرَ» ..الأمر كله،على هذا النحو من التدبير الذي يسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ..والذي يمسك بالأفلاك الهائلة والأجرام السابحة في الفضاء فيجريها لأجل لا تتعداه،لا شك عظيم التدبير جليل التقدير.

ومن تدبيره الأمر أنه «يفصل الآيات» وينظمها وينسقها،ويعرض كلا منها في حينه،ولعلته،ولغايته «لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ» حين ترون الآيات مفصلة منسقة،ومن ورائها آيات الكون،تلك التي أبدعتها يد الخالق أول مرة،وصورت لكم آيات القرآن ما وراء إبداعها من تدبير وتقدير وإحكام ..ذلك كله يوحي بأن لا بد من عودة إلى الخالق بعد الحياة الدنيا،لتقدير أعمال البشر،ومجازاتهم عليها.فذلك من كمال التقدير الذي توحي به حكمة الخلق الأول عن حكمة وتدبير.

وبعد ذلك يهبط الخط التصويري الهائل من السماء إلى الأرض فيرسم لوحتها العريضة الأولى: «وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ،وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهارًا،وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ.يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ.إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» ..

والخطوط العريضة في لوحة الأرض هي مد الأرض وبسطها أمام النظر وانفساحها على مداه.لا يهم ما يكون شكلها الكلي في حقيقته.إنما هي مع هذا ممدودة مبسوطة فسيحة.هذه هي اللمسة الأولى في اللوحة.ثم يرسم خط الرواسي الثوابت من الجبال،وخط الأنهار الجارية في الأرض.فتتم الخطوط العريضة الأولى في المشهد الأرضي،متناسقة متقابلة.ومما يناسب هذه الخطوط الكلية ما تحتويه الأرض من الكليات،وما يلابس الحياة فيها من كليات كذلك.

وتتمثل الأولى فيما تنبت الأرض: «وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ» .وتتمثل الثانية في ظاهرتي الليل والنهار: «يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ» .

والمشهد الأول يتضمن حقيقة لم تعرف للبشر من طريق علمهم وبحثهم إلا قريبا.هي أن كل الأحياء وأولها النبات تتألف من ذكر وأنثى،حتى النباتات التي كان مظنونا أن ليس لها من جنسها ذكور،تبين أنها تحمل في ذاتها الزوج الآخر،فتضم أعضاء التذكير وأعضاء التأنيث مجتمعة في زهرة،أو متفرقة في العود.وهي حقيقة تتضامن مع المشهد في إثارة الفكر إلى تدبر أسرار الخلق بعد تملي ظواهره.

والمشهد الثاني مشهد الليل والنهار متعاقبين،هذا يغشي ذاك،في انتظام عجيب.هو ذاته مثار تأمل في مشاهد الطبيعة،فقدوم ليل وإدبار نهار أو إشراق فجر وانقشاع ليل،حادث تهوّن الألفة من وقعة في الحس،ولكنه في ذاته عجب من العجب،لمن ينفض عنه موات الألفة وخمودها،ويتلقاه بحس الشاعر المتجدد،الذي لم يجمده التكرار ..والنظام الدقيق الذي لا تتخلف معه دورة الفلك هو بذاته كذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت