مثار تأمل في ناموس هذا الكون،وتفكير في القدرة المبدعة التي تدبره وترعاه: «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» ..
ونقف كذلك هنا وقفة قصيرة أمام التقابلات الفنية في المشهد قبل أن نجاوزه إلى ما وراءه ..التقابلات بين الرواسي الثابتة والأنهار الجارية.وبين الزوج والزوج في كل الثمرات.وبين الليل والنهار.ثم بين مشهد الأرض كله ومشهد السماء السابق.وهما متكاملان في المشهد الكوني الكبير الذي يضمهما ويتألف منهما جميعا.
ثم تمضي الريشة المبدعة في تخطيط وجه الأرض بخطوط جزئية أدق من الخطوط العريضة الأولى: «وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ،وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ،وَزَرْعٌ،وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ،يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ.إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» ..
وهذه المشاهد الأرضية،فينا الكثيرون يمرون عليها فلا تثير فيهم حتى رغبة التطلع إليها! إلا أن ترجع النفس إلى حيوية الفطرة والاتصال بالكون الذي هي قطعة منه،انفصلت عنه لتتأمله ثم تندمج فيه ..
«وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ» ..
متعددة الشيات،وإلا ما تبين أنها «قطع» فلو كانت متماثلة لكانت قطعة ..منها الطيب الخصب،ومنها السبخ النكد.ومنها المقفر الجدب،ومنها الصخر الصلد.وكل واحد من هذه وتلك أنواع وألوان ودرجات.ومنها العامر والغامر.ومنها المزروع الحي والمهمل الميت.ومنها الريان والعطشان.ومنها ومنها ومنها ..وهي كلها في الأرض متجاورات.
هذه اللمسة العريضة الأولى في التخطيط التفصيلي ..ثم تتبعها تفصيلات: «وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ» . «وزرع» . «ونخيل» تمثل ثلاثة أنواع من النبات،الكرام المتسلق.والنخل السامق.والزرع من بقول وأزهار وما أشبه.مما يحقق تلوين المنظر،وملء فراغ اللوحة الطبيعية،والتمثيل لمختلف أشكال النبات.ذلك النخيل.صنوان وغير صنوان.منه ما هو عود واحد.ومنه ما هو عودان أو أكثر في أصل واحد ..وكله «يسقى بماء واحد» والتربة واحدة،ولكن الثمار مختلفات الطعوم: «ونفضل بعضها على بعض في الأكل» .فمن غير الخالق المدبر المريد يفعل هذا وذاك؟!
من منا لم يذق الطعوم مختلفات في نبت البقعة الواحدة.فكم منا التفت هذه اللفتة التي وجه القرآن إليها العقول والقلوب؟ إنه بمثل هذا يبقى القرآن جديدا أبدا،لأنه يجدد أحاسيس البشر بالمناظر والمشاهد في الكون والنفس وهي لا تنفد ولا يستقصيها إنسان في عمره المحدود،ولا تستقصيها البشرية في أجلها الموعود. «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» ..
ومرة ثالثة نقف أمام التقابلات الفنية في اللوحة بين القطع المتجاورات المختلفات.والنخل صنوان وغير صنوان والطعوم مختلفات.والزرع والنخيل والأعناب ..