تلك الجولة الهائلة في آفاق الكون الفسيحة،يعود منها السياق ليعجّب من قوم،هذه الآيات كلها في الآفاق لا توقظ قلوبهم،ولا تنبه عقولهم،ولا يلوح لهم من ورائها تدبير المدبر،وقدرة الخالق،كأن عقولهم مغلولة،وكأن قلوبهم مقيدة،فلا تنطلق للتأمل في تلك الآيات: «وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ:أَإِذا كُنَّا تُرابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ؟ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ،وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ،وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ» ..وإنه لعجيب يستحق التعجيب،أن يسأل قوم بعد هذا العرض الهائل: «أَإِذا كُنَّا تُرابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ؟» ..
والذي خلق هذا الكون الضخم ودبره على هذا النحو،قادر على إعادة الأناسي في بعث جديد.إنما هو الكفر بربهم الذي خلقهم ودبر أمرهم.وإنما هي أغلال العقل والقلب.فالجزاء هو الأغلال في الأعناق،تنسيقا بين غل العقل وغل العنق والجزاء هو النار خالدين فيها.فقد عطلوا كل مقومات الإنسان التي من أجلها يكرمه اللّه،وانتكسوا في الدنيا فهم في الآخرة يلاقون عاقبة الانتكاس حياة أدنى من حياتهم الدنيا،التي عاشوها معطلي الفكر والشعور والإحساس.
هؤلاء القوم الذين يعجبون من أن يبعثهم اللّه خلقا جديدا.وعجبهم هذا هو العجب! هؤلاء يستعجلونك أن تأتيهم بعذاب اللّه،بدلا من أن يطلبوا هدايته ويرجوا رحمته: «وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ» ..وكما أنهم لا ينظرون في آفاق الكون،وآيات اللّه المبثوثة في السماء والأرض،فهم لا ينظرون إلى مصارع الغابرين الذين استعجلوا عذاب اللّه فأصابهم وتركهم مثلة يعتبر بها من بعدهم: « وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ» ..فهم في غفلة حتى عن مصائر أسلافهم من بني البشر،وقد كان فيها مثل لمن يعتبر.
«وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ» ..فهو بعباده رحيم حتى وإن ظلموا فترة،يفتح لهم باب المغفرة ليدخلوه عن طريق التوبة.ولكن يأخذ بعقابه الشديد من يصرون ويلجون،ولا يلجون من الباب المفتوح.
«وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ» ..والسياق يقدم هنا مغفرة اللّه على عقابه،في مقابل تعجل هؤلاء الغافلين للعذاب قبل الهداية.ليبدو الفارق الضخم الهائل بين الخير الذي يريده اللّه لهم،والشر الذي يريدونه لأنفسهم.ومن ورائه يظهر انطماس البصيرة،وعمى القلب،والانتكاس الذي يستحق درك النار.
ثم يمضي السياق في التعجيب من أمر القوم،الذين لا يدركون كل تلك الآيات الكونية،فيطلبون آية واحدة ينزلها اللّه على رسوله.آية واحدة والكون حولهم كله آيات: «وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا:لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ! إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ،وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ» ..