وأسباب الضلال.ويضع إلى جواره صورة القلوب المطمئنة بذكر اللّه،لا تقلق ولا تطلب خوارق لتؤمن وهذا القرآن بين أيديها.هذا القرآن العميق التأثير،حتى لتكاد تسير به الجبال وتقطع به الأرض،ويكلم به الموتى لما فيه من سلطان وقوة ودفعة وحيوية.وينهي الحديث عن هؤلاء الذين يتطلبون القوارع والخوارق بتيئيس المؤمنين منهم،وبتوجيههم إلى المثلات من قبلهم،وإلى ما يحل بالمكذبين من حولهم بين الحين والحين: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (27) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (29) كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (30) وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (32) } [الرعد:27- 32] ..
إن الرد على طلبهم آية خارقة،أن الآيات ليست هي التي تقود الناس إلى الإيمان،فللإيمان دواعيه الأصيلة في النفوس،وأسبابه المؤدية إليه من فعل هذه النفوس: « قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ » ..فاللّه يهدي من ينيبون إليه.فالإنابة إلى اللّه هي التي جعلتهم أهلا لهداه.والمفهوم إذن أن الذين لا ينيبون هم الذين يستأهلون الضلال،فيضلهم اللّه.فهو استعداد القلب للهدى وسعيه إليه وطلبه،أما القلوب التي لا تتحرك إليه فهو عنها بعيد ..
ثم يرسم صورة شفيفة للقلوب المؤمنة.في جو من الطمأنينة والأنس والبشاشة والسلام: «الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ» ..تطمئن بإحساسها بالصلة باللّه،والأنس بجواره،والأمن في جانبه وفي حماه.تطمئن من قلق الوحدة،وحيرة الطريق.بإدراك الحكمة في الخلق والمبدأ والمصير.وتطمئن بالشعور بالحماية من كل اعتداء ومن كل ضر ومن كل شر إلا بما يشاء،مع الرضى بالابتلاء والصبر على البلاء.وتطمئن برحمته في الهداية والرزق والستر في الدنيا والآخرة: «أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ» ..ذلك الاطمئنان بذكر اللّه في قلوب المؤمنين حقيقة عميقة يعرفها الذين خالطت بشاشة الإيمان قلوبهم،فاتصلت باللّه.يعرفونها،ولا يملكون بالكلمات أن ينقلوها إلى الآخرين الذين لم يعرفوها،لأنها لا تنقل بالكلمات،إنما تسري في القلب فيستروحها ويهش لها ويندى بها ويستريح إليها ويستشعر الطمأنينة والسلام،ويحس أنه في هذا الوجود ليس مفردا بلا أنيس.فكل ما حوله صديق،إذ كل ما حوله من صنع اللّه الذي هو في حماه.