فهرس الكتاب

الصفحة 2683 من 4997

وليس أشقى على وجه هذه الأرض ممن يحرمون طمأنينة الأنس إلى اللّه.ليس أشقى ممن ينطلق في هذه الأرض مبتوت الصلة بما حوله في الكون،لأنه انفصم من العروة الوثقى التي تربطه بما حوله في اللّه خالق الكون.ليس أشقى ممن يعيش لا يدري لم جاء؟ ولم يذهب؟ ولم يعاني ما يعاني في الحياة؟ ليس أشقى ممن يسير في الأرض يوجس من كل شيء خيفة لأنه لا يستشعر الصلة الخفية بينه وبين كل شيء في هذا الوجود.ليس أشقى في الحياة ممن يشق طريقه فريدا وحيدا شاردا في فلاة،عليه أن يكافح وحده بلا ناصر ولا هاد ولا معين.

وإن هناك للحظات في الحياة لا يصمد لها بشر إلا أن يكون مرتكنا إلى اللّه،مطمئنا إلى حماه،مهما أوتي من القوة والثبات والصلابة والاعتداد ..ففي الحياة لحظات تعصف بهذا كله،فلا يصمد لها إلا المطمئنون باللّه: «أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ» ..

هؤلاء المنيبون إلى اللّه،المطمئنون بذكر اللّه،يحسن اللّه مآبهم عنده،كما أحسنوا الإنابة إليه وكما أحسنوا العمل في الحياة: «الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ» ..

طوبى (على وزن كبرى من طاب يطيب) للتفخيم والتعظيم.وحسن مآب إلى اللّه الذي أنابوا إليه في الحياة ..أما أولئك الذين يطلبون آية فلم يستشعروا طمأنينة الإيمان فهم في قلق يطلبون الخوارق والمعجزات.ولست أول رسول جاء لقومه بمثل ما جئت به حتى يكون الأمر عليهم غريبا،فقد خلت من قبلهم الأمم وخلت من قبلهم الرسل.فإذا كفروا هم فلتمض على نهجك ولتتوكل على اللّه: «كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ،لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ،وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ.قُلْ:هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ،عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ» ..

والعجيب أنهم يكفرون بالرحمن،العظيم الرحمة،الذي تطمئن القلوب بذكره،واستشعار رحمته الكبرى.وما عليك إلا أن تتلو عليهم الذي أوحينا إليك،فلهذا أرسلناك.فإن يكفروا فأعلن لهم أن اعتمادك على اللّه وحده،وأنك تائب إليه وراجع،لا تتجه إلى أحد سواه.

وإنما أرسلناك لتتلو عليهم هذا القرآن.هذا القرآن العجيب،الذي لو كان من شأن قرآن أن تسير به الجبال أو تقطع به الأرض،أو يكلم به الموتى،لكان في هذا القرآن من الخصائص والمؤثرات،ما تتم معه هذه الخوارق والمعجزات.ولكنه جاء لخطاب المكلفين الأحياء.فإذا لم يستجيبوا فقد آن أن ييأس منهم المؤمنون،وأن يدعوهم حتى يأتي وعد اللّه للمكذبين: { وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31) } [الرعد:31] ..

ولقد صنع هذا القرآن في النفوس التي تلقته وتكيفت به أكثر من تسيير الجبال وتقطيع الأرض وإحياء الموتى.لقد صنع في هذه النفوس وبهذه النفوس خوارق أضخم وأبعد آثارا في أقدار الحياة،بل أبعد أثرا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت