فهرس الكتاب
فما يمكن أن تكون هناك بنية إنسانية سوية،غير مطموسة ولا معطلة ولا مشوهة ثم يعرض عليها هذا الحق،ويبين لها بالصورة التي بينها المنهج القرآني ثم لا تستجيب لهذا الحق بالإيمان والإسلام.والفطرة الإنسانية بطبيعتها مصطلحة على هذا الحق في أعماقها فإذا صدت عنه فإنما يصدها صاحبها لآفة فيه تجعله يختار لنفسه غير هذا الهدى وتجعله بذلك مستحقا للضلال،ومستحقا للعذاب،كما قال اللّه سبحانه في السورة الأخرى «سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ،وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها،وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا،وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا،ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ» ..
وفي هذه السورة ترد أمثال هذه الآيات الدالة على طبيعة الكفر فتقرر أنه عمى وانطماس بصيرة،وأن الهدى دلالة على سلامة الكينونة البشرية من هذا العمى،ودلالة على سلامة القوى المدركة فيها وأن في صفحة هذا الكون من الدلائل ما يبين عن الحق لمن يتفكرون ولمن يعقلون: «أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى ؟ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ.الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ،وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ،وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ.وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ،وَأَقامُوا الصَّلاةَ،وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً،وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ،أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ...» ..
«وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا:لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ! قُلْ:إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ،وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ.الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ،أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ.الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ» ..
«وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهارًا،وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ.يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ،إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ.وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ،وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ،وَزَرْعٌ،وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ،إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» ..
وهكذا يتقرر أن الذين لا يستجيبون لهذا الحق هم - بشهادة اللّه سبحانه - عمي.وأنهم لا يتفكرون ولا يعقلون.وأن الذين يستجيبون له هم أولو الألباب،وهؤلاء تطمئن قلوبهم بذكر اللّه،وتتصل بما هي عارفة له ومصطلحة عليه بفطرتها العميقة،فتسكن وتستريح.
وإن الإنسان ليجد مصداق قول اللّه هذا في كل من يلقاه من الناس معرضا عن هذا الحق الذي تضمنه دين اللّه،والذي جاء به في صورته الكاملة محمد رسول اللّه ..فإن هي إلا جبلات مؤوفة مطموسة.وإن هي إلا كينونات معطلة في أهم جوانبها بحيث لا تتلقى إيقاعات هذا الوجود كله من حولها،وهو يسبح بحمد ربه وينطق بوحدانيته وقدرته وتدبيره وتقديره.