فهرس الكتاب

الصفحة 2698 من 4997

وإذا كان الذين لا يؤمنون بهذا الحق عميا - بشهادة اللّه سبحانه - فإنه لا ينبغي لمسلم يزعم أنه يؤمن برسول اللّه،ويؤمن بأن هذا القرآن وحي من عند اللّه ..لا ينبغي لمسلم يزعم هذا الزعم أن يتلقى في شأن من شؤون الحياة عن أعمى! وبخاصة إذا كان هذا الشأن متعلقا بالنظام الذي يحكم حياة الإنسان أو بالقيم والموازين التي تقوم عليها حياته أو بالعادات والسلوك والتقاليد والآداب التي تسود مجتمعه ..

وهذا هو موقفنا من نتاج الفكر - غير الإسلامي - بجملته - فيما عدا العلوم المادية البحتة وتطبيقاتها العملية مما قصده رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «أنتم أعلم بشؤون دنياكم» [1] .فإنه ما ينبغي قط لمسلم

(1) - عَنْ عَائِشَةَ وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - مَرَّ بِقَوْمٍ يُلَقِّحُونَ فَقَالَ « لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ » . قَالَ فَخَرَجَ شِيصًا فَمَرَّ بِهِمْ فَقَالَ « مَا لِنَخْلِكُمْ » . قَالُوا قُلْتَ كَذَا وَكَذَا قَالَ « أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ » . صحيح مسلم- المكنز [15 /410] (6277 ) -الشيص:التمر الذى لم يتم نضجه

وعَنْ أَنَسٍ قَالَ:سَمِعَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَصْوَاتًا فَقَالَ:مَا هَذَا ؟ قَالُوا:يُلَقِّحُونَ النَّخْلَ،فَقَالَ:لَوْ تَرَكُوهُ فَلَمْ يُلَقِّحُوهُ لَصَلُحَ فَتَرَكُوهُ فَلَمْ يُلَقِّحُوهُ،فَخَرَجَ شِيصًا،فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -:مَا لَكُمْ ؟ قَالُوا:تَرَكُوهُ لِمَا قُلْتَ،فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:إِذَا كَانَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاكُمْ فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِهِ،فَإِذَا كَانَ مِنْ أَمْرِ دِينِكُمْ فَإِلَيَّ.مسند أحمد (عالم الكتب) [4 /392] (12544) 12572- صحيح

إنما قال النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ هذا ؛ لأنه لم يكن عنده علم باستمرار هذه العادة،فإنَّه لم يكن ممن عانى الزراعة،ولا الفلاحة،ولا باشر شيئًا من ذلك،فخفيت عليه تلك الحالة،وتمسك بالقاعدة الكلية المعلومة التي هي:أنه ليس في الوجود ولا في الإمكان فاعل،ولا خالق،ولا مؤثر إلا الله تعالى،فإذا نسب شيء إلى غيره نسبة التأثير فتلك النسبة مجازية عرفيَّة لا حقيقيَّة،فصدق قوله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ: (( ما أظن ذلك يغني شيئًا ) )؛ لأن الذي يغني في الأشياء عن الأشياء بالحقيقة هو الله تعالى،غير أن الله تعالى قد أجرى عادته بأن ستر تأثير قدرته في بعض الأشياء بأسباب معتادة،فجعلها مقارنة لها،ومغطاة به ليؤمن من سبقت له السعادة بالغيب،وليضل من سبقت له الشقاوة بالجهل،والرَّيب: { ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيَّ عن بينة } .

وقوله: (( إنما ظننت ظنًّا فلا تؤاخذوني بالظن ) )،وقوله في الأخرى: (( إنما أنا لبشر ) )؛ هذا كله منه ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ اعتذار لمن ضعف عقله مخافة أن يزله الشيطان فيكذب النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ فيكفر،وإلا فما جرى شيء يحتاج فيه إلى عذر،غاية ما جرى:مصلحة دنيوية،خاصَّة بقوم مخصوصين لم يعرفها من لم يباشرها،ولا كان من أهلها المباشرين لعملها،وأوضح ما في هذه الألفاط المعتذر بها في هذه القصة قوله: (( أنتم أعلم بأمر دنياكم ) )،وكأنه قال:وأنا أعلم بأمر دينكم .المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم [19 /85]

قلت:ولا حجة فيه لمن يفرق بين أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - التشريعية والطبية أو الدنيوية أبدا فكله تشريع وحق .

وَالْمَقْصُودُ:أَنَّ جَمِيعَ أَقْوَالِهِ يُسْتَفَادُ مِنْهَا شَرْعٌ وَهُوَ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا مرَّ بِقَوْمٍ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ فَقَالَ: « مَا يَصْنَعُ هَؤُلاَءِ » . فَقَالُوا يُلَقِّحُونَهُ يَجْعَلُونَ الذَّكَرَ فِى الأُنْثَى فَيَلْقَحُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « مَا أَظُنُّ يُغْنِى ذَلِكَ شَيْئًا » . قَالَ فَأُخْبِرُوا بِذَلِكَ فَتَرَكُوهُ فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِذَلِكَ فَقَالَ « إِنْ كَانَ يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ فَلْيَصْنَعُوهُ فَإِنِّى إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا فَلاَ تُؤَاخِذُونِى بِالظَّنِّ وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنِ اللَّهِ شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ فَإِنِّى لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ » صحيح مسلم (6275)

وَقَالَ: « إِذَا كَانَ شَىْءٌ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاكُمْ فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِهِ فَإِذَا كَانَ مِنْ أَمْر دِينِكُمْ فَإِلَىَّ » ( مسند أحمد(12880) صحيح) . وَهُوَ لَمْ يَنْهَهُمْ عَنْ التَّلْقِيحِ لَكِنْ هُمْ غَلِطُوا فِي ظَنِّهِمْ أَنَّهُ نَهَاهُمْ كَمَا غَلِطَ مَنْ غَلِطَ فِي ظَنِّهِ أَنَّ ( الْخَيْطَ الْأَبْيَضَ ) و ( الْخَيْطَ الْأَسْوَدَ ) هُوََ الْحَبْلُ الْأَبْيَضُ وَالْأَسْوَدُ ». (مجموع الفتاوى -(ج 18 / ص 11 ) )

ثالثًا:قوله - - صلى الله عليه وسلم - في اللفظ الذي يحتجّ به المخالفون:"أنتم أعلم بأمر دنياكم"، لم يأت مبتورًا بلا قصّة، ولا كان هو اللفظ الوحيد الذي جاء به هذا الخبر، والروايات الصحيحة يفسّر بعضها بعضًا، بل هي أولى ما يُفسَّر به الحديث.

فالنبيّ - - صلى الله عليه وسلم - عندما قال:"أنتم أعلم بأمر دنياكم"، إنما قاله لما صَرّح لهم بالظنّ والاجتهاد، وما دام هذا هو سياق الخبر، فالمعنى على هذا السياق:إذا أخبرتكم بالظنّ وكان عندكم يقينٌ بخلافه مما تعلمونه من أمور دنياكم ( لأن أمور الدين لا يمكن أن يكون عندهم فيها يقينٌ، ولا يكون عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه إلا الظنّ!) ،فقدّموا يقينكم بالأمر الدنيوي على ظنّي فيه .

ومن ثَمَّ:لم يكن قوله - - صلى الله عليه وسلم -:"أنتم أعلم بأمر دينكم"قاعدةً عامّةً في أمور الدنيا، ولا يصحّ أن يُتصَوَّر هذا في عموم العقلاء والحكماء أصلًا، فضلًا عن النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - . فإنه مما لا شكَّ فيه أن النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - كان له من العقل والحكمة ما يجعله باجتهاده أقدرَ على تسيير كثير من أمور الدنيا في السياسة العامة وترتيب أمر الدولة وإصلاح المجتمع وغير ذلك بما لا يصل إليه أعلمُ أهل الدنيا علمًا بها. فكيف يصحُّ تصوّرُ فَهْمِ المخالفين، من أن قوله - - صلى الله عليه وسلم -:"أنتم أعلم بأمر دنياكم"قاعدةٌ عامّةٌ في كل أمور الدنيا؟!!

هلّا أنزلوا النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - منزلة عامة العقلاء الذين لا بدّ أن يكون للواحد منهم من اليقين في أمور الدنيا اليقينيّاتُ الكثيرة!!

إذن فيلزمهم أن لا يقولوا:إن ذلك النصّ قاعدةٌ عامّة, بل عليهم أن يقولوا:إن المقصود به بعض أمور الدنيا لا كلّها، أو بعض أخباره - - صلى الله عليه وسلم - عن أمور الدنيا لا كُّ أخباره - - صلى الله عليه وسلم - عنها. ثم لابُدّ بعد هذا التبعيض أن يبيّنوا كيفيّة تمييز هذا النوع من ذاك، وإلا أدّى عدم التمييز إلى إبطال الكل، وما هذا في السوء إلا كالذي هربنا منه، من إنزال النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - دون منزلة بقية العقلاء؛ لأن القولين أدّيا إلى ردِّ كل أخباره - - صلى الله عليه وسلم - في أمور الدنيا، وكأنّ النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - عندما قال لهم:"أنتم أعلم بأمر دنياكم"على هذا الفَهْم السقيم يُشرّع لهم مخالفته في كل أمور الدنيا، وكأنه يقول لهم:لا تطيعوني في أمور دنياكم أبدًا، إنما الطاعة في الدين فقط!!! وما أقبح هذا من فهم!! وما أسوأ أثره على الدين والدنيا!!!

ونحن نعلم أن هناك فرقًا بين أحكامه - - صلى الله عليه وسلم - في حوادث خاصّة، مما لا عموم لها، كحكمه بين الخصوم للقضاء، فعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَىَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِى لَهُ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ مِنْهُ فَمَنْ قَطَعْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلاَ يَأْخُذْهُ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ بِهِ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ » . ( صحيح مسلم(4570) -الألحن:الأعرف والأقدر على بيان مقصوده)

مما يُعبّر عنه العلماء بأنه حادثة عين لا عموم لها، فهناك فرقٌ بين هذه وبين إطلاقاته العامّة التي لا علاقة لها بفرد ولا اختصاص لها بأحد، وإن كان بعضُها قد جاء لسبب، إذا العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .

وهذه الأحكام الخاصّة التي لا عموم فيها (كحكمه - - صلى الله عليه وسلم - على سبيل القضاء والإمامة والسياسة) هي التي ربما عَبّر عنها العلماء بأمور الدنيا، التي لا يلزم أن تكون بوحي، بل التي قد يحكم النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - فيها بحكم ولا يُصَوَّب ويكون مخالفًا للواقع. لأنّ الخطأ في هذه الأمور لا يؤدّي إلى خطأ في التصوّر للأمة كلها إلى قيام الساعة، ولا يَفْهَمُ الناسُ منه أنه حكمٌ يتعدَّى إلى غير من حُكم له أو عليه، ولا يَؤُولُ إلى خلل في بلاغ الدين.

لذلك لو أخطأ النبي - صلى الله عليه وسلم - في مثل هذه الأمور ولو لم يصوَّب هذا الخطأ لا يكون في ذلك خطر على صحّة تبليغ الشريعة، ولا يؤدّي ذلك الخطأ -لو وقع- إلى تحريف معالم الدِّين؛ ولذلك لم يكن هناك ضرورة مطلقةٌ إلى تصويب مثله. وهذا بخلاف الخبر الجازم من النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، الذي يفهم المخاطَبون به أنه حقٌّ وصِدْق، وهو بخلاف ذلك، فيما لو أُقر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فيه على الخطأ. فإنه يؤدّي إلى تحريف الحقيقة، وتشويه الدين..

ولذلك عَلّق القاضي عياض على حديث التأبير بقوله: « وقول النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - ها هنا للأنصار في النخل ليس على وجه الخبر الذي يدخله الصدق والكذب، فَيُنَزَّهُ النبيُّ - - صلى الله عليه وسلم - عن الخُلْف فيه، وإنما كان على طريق الرأي منه, ولذلك قال لهم: (( إنما ظننت ظنًا, وأنتم أعلم بأمر دنياكم ) ) (قال القاضي:) وحكمُ الأنبياء وآراؤهم في حكم أمور الدنيا حكمُ غيرهم، من اعتقاد بعض الأمور على خلاف ما هي عليه، ولا وُصِمَ عليهم في ذلك، إذ هِمَمُهُم متعلّقةٌ بالآخرة والملأ الأعلى وأوامِر الشريعةِ ونواهيها، وأمرُ الدنيا يُضادُّها » ( إكمال المعلم للقاضي عياض(7/334-335) .) .

فانظر كيف جعل سبب عدم عَدِّ ما وقع منه - - صلى الله عليه وسلم - في هذا الخبر خُلْفًا للواقع هو أنه رأيٌ وظنٌّ واجتهادٌ، ولم يجعل السبب أنه من أمور الدنيا. ولذلك لمّا ساوى بين الأنبياء وغيرهم في أحكام الدنيا ينبغي أن يُحْمَل قوله على أحد أمرين:إمّا على مساواة ظنّهم واجتهادهم في احتماله الخطأ لظنّ غيرهم في مطلق هذا الاحتمال، وهو الذي يشهد له فاتحة كلامه. وإمّا أن يُحملَ على حوادث الأعيان التي لا عموم لها، فاجتهادهم فيها غير معصوم.. لا ابتداءً ولا انتهاءً.

وكيف يُفهم كلام القاضي عياض على خلاف ذلك، وقد نقلنا آنفًا كلامًا له يقطع بأنه لا يخالفه, والذي قال في خاتمته متحدثًا عن أقواله - - صلى الله عليه وسلم - في أمور الدنيا: « وأنه - - صلى الله عليه وسلم - معصومٌ من الخُلْف، هذا فيما طريقُه الخبر المحض, مما يدخله الصدق والكذب» (الشفا للقاضي عياض - مع شرحه لملا علي القاري-(4/471) .)

فالجمعُ بين قوليه يُبَيِّنُ مُرادَهُ بوضوح، خاصة مع تنبيهه (رحمه الله) أن كلامَ النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - في تأبير النخل لم يكن خبرًا أصلًا، وإنما كان ظنًّا؛ لأن الخبر هو الذي يحتمل التصديق والتكذيب، وأمّا الظن فلا يحتملهما، وإن كان يحتمل التخطئ والتصويب. وهذا هو الفرق بين:القول الجازم وهو الخبر المحض، فلا يصحُّ اعتقادُ خُلْفِه؛ لأنّ الخُلْفَ فيه يدلُّ على التكذيب. وأمّا الظنّ والاجتهاد فاعتقادُ الخُلْفِ فيه لا يدلُّ إلا على اعتقاد الخطأ، فلم يكن فيه معارضة لمقام النبوّة.

رابعًا:في هذا الحديث (حديث تأبير النخل) حجّةٌ قويّةٌ على المخالفِين، من جهة إظهار الفهم الذي كان مستقرًّا في قلوب الصحابة -رضي الله عنهم- عن سنَّة النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - ،ولو كانت في أمرٍ من أمور الدنيا. فإنهم -رضي الله عنهم- ما إن سمعوا بإرشاده في ترك التأبير، حتى سارعوا بتركه دون مراجعة، وهُمْ أهل النخل العارفون بضرورة تأبير النخل لإصلاحه. فقدّموا ما فهموا أنه جزمٌ منه - - صلى الله عليه وسلم - ،فَرجَّحُوهُ على يقينهم؛ لأن اليقين المتلقَّى عن الوحي أقوى من أي يقين سواه؛ فإن الله قادرٌ على تبديل السُّنَن، والسنن لا تخالف أمر الله تعالى.

ثم إن النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - لم يخطئهم في اتباعهم لأمره، ولو كان من أمور الدنيا، بل خطّأهم في عملهم بظنّه الذي صرّح لهم فيه أنه مجرّد ظنّ:"إني إنما ظننت ظنًّا، فلا تؤاخذوني بالظن". وقد تقدّم بيان هذا، أنّ خطأهم في اتّباعهم الظنّ مع معارضته ليقينهم، لا في اتّباعهم له في أمر من أمور الدنيا.

فالصحابةُ -رضي الله عنهم - قد بلغ تعظيمهم لأمر النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - في أمر الدنيا والدين، أنهم قدّموا ظنونه - - صلى الله عليه وسلم - على يقينيّاتهم!!

ما أبعد هذا ممّن أراد أن يقدّم ظنون نفسه على يقينيّاته - - صلى الله عليه وسلم - !!! وهي كل خبر جازم أقرّه الله تعالى عليه، سواء أكان في دين أو دنيا.

وللصحابة من الحوادث التي تُثبت أن هذا هو ما فهموه من علاقته - - صلى الله عليه وسلم - بالوحي ما لا يدخل تحت الحصر، ومن أصرح ذلك:ما جاء في قصّة الأحزاب، من مَيْل النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - إلى مصالحة غطفان على نصف تمر المدينة، لينفضّوا عن الأحزاب.

فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:جَاءَ الْحَارِثُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ:نَاصِفْنَا تَمْرَ الْمَدِينَةِ،وَإِلَّا مَلَأْتُهَا عَلَيْكَ خَيْلًا وَرِجَالًا،فَقَالَ:"حَتَّى أَسْتَأْمِرَ السُّعُودَ:سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ،وَسَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ"يَعْنِي:يُشَاوِرُهُمَا،فَقَالَا:لَا وَاللَّهِ،مَا أُعْطِينَا الدَّنِيَّةَ مِنْ أَنْفُسِنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ،فَكَيْفَ وَقَدْ جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ ؟ ! فَرَجَعَ إِلَى الْحَارِثِ فَأَخْبَرَهُ،فَقَالَ:غَدَرْتَ يَا مُحَمَّدُ،قَالَ:فَقَالَ حَسَّانُ:يَا حَارِ مَنْ يَغْدِرْ بِذِمَّةِ جَارِهِ مِنْكُمْ فَإِنَّ مُحَمَّدًا لَا يَغْدِرْ إِنْ تَغْدِرُوا فَالْغَدْرُ مِنْ عَادَاتِكُمْ وَاللُّؤْمُ يَنْبُتُ فِي أُصُولِ السَّخْبَرِ وَأَمَانَةُ النَّهْدِيِّ حِينَ لَقِيتُهَا مِثْلُ الزُّجَاجَةِ صَدْعُهَا لَا يُجْبَرُ قَالَ:فَقَالَ الْحَارِثُ:كُفَّ عَنَّا يَا مُحَمَّدُ لِسَانَ حَسَّانَ،فَلَوْ مُزِجَ بِهِ مَاءُ الْبَحْرِ لَمُزِجَ . رَوَاهُ الْبَزَّارُ،وَالطَّبَرَانِيُّ . وَلَفْظُهُ:عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:جَاءَ الْحَارِثُ الْغَطَفَانِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ:يَا مُحَمَّدُ،شَاطِرْنَا تَمْرَ الْمَدِينَةِ،فَقَالَ:"حَتَّى أَسْتَأْمِرَ السُّعُودَ"،فَبَعَثَ إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ،وَسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ،وَسَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ،وَسَعْدِ بْنِ خَيْثَمَةَ،وَسَعْدِ بْنِ مَسْعُودٍ،فَقَالَ:"إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ الْعَرَبَ قَدْ رَمَتْكُمْ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ،وَإِنَّ الْحَارِثَ سَأَلَكُمْ تُشَاطِرُوهُ تَمْرَ الْمَدِينَةِ،فَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَدْفَعُوهُ عَامَكُمْ هَذَا فِي أَمْرِكُمْ بَعْدُ ؟". فَقَالُوا:يَا رَسُولَ اللَّهِ،أُوحِيَ مِنَ السَّمَاءِ فَالتَّسُلَيْمُ لِأَمْرِ اللَّهِ،أَوْ عَنْ رَأْيِكَ وَهَوَاكَ ؟ فَرَأْيُنَا نَتَّبِعُ هَوَاكَ وَرَأْيَكَ ؟ فَإِنْ كُنْتَ إِنَّمَا تُرِيدُ الْإِبْقَاءَ عَلَيْنَا،فَوَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتَنَا وَإِيَّاهُمْ عَلَى سَوَاءٍ،مَا يَنَالُونَ مِنَّا تَمْرَةً إِلَّا شِرَاءً أَوْ قِرًى ،..." ( المعجم الكبير للطبراني(5271) والبزار (كشف الأستار:رقم 1803) ، وابن الأعرابي في معجمه (رقم 1708) وهو حديث حسن ،وله شواهد، فانظر:التلخيص الحبير لابن حجر (4/114 - 115) ، ومرويات غزوة الخندق للدكتور إبراهيم المدخلي (134-135) "

وفي غزوة بدر وجاء فيها"فَخَرَجَ رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُبَادِرُهُمْ إلَى السّمَاءِ حَتّى إذَا جَاءَ أَدُنَى مَاءٍ مِنْ بَدْرٍ نَزَلَ بِهِ،فقالَ الْحُبَابَ بْنَ الْمُنْذِرِ بْنِ الْجَمُوحِ:يَا رَسُولَ اللّهِ أَرَأَيْتَ هَذَا الْمَنْزِلَ أَمَنْزِلًا أَنْزَلَكَهُ اللّهُ لَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَقَدّمَهُ وَلَا نَتَأَخّرَ عَنْهُ أَمْ هُوَ الرّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ ؟ قَالَ بَلْ هُوَ الرّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ ؟ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ فَإِنّ هَذَا لَيْسَ بِمَنْزِلِ فَانْهَضْ بِالنّاسِ حَتّى نَأْتِيَ أَدْنَى مَاءٍ مِنْ الْقَوْمِ،فَنَنْزِلَهُ ثُمّ نُغَوّرُ مَا وَرَاءَهُ مِنْ الْقُلُبِ ثُمّ نَبْنِي عَلَيْهِ حَوْضًا فَنَمْلَؤُهُ مَاءً ثُمّ نُقَاتِلُ الْقَوْمَ فَنَشْرَبُ وَلَا يَشْرَبُونَ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَقَدْ أَشَرْتَ بِالرّأْيِ . فَنَهَضَ رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَمَنْ مَعَهُ مِنْ النّاسِ فَسَارَ حَتّى إذَا أَتَى أَدْنَى مَاءٍ مِنْ الْقَوْمِ نَزَلَ عَلَيْهِ ثُمّ أَمَرَ بِالْقُلُبِ فَغُوّرَتْ وَبَنَى حَوْضًا عَلَى الْقَلِيبِ الّذِي نَزَلَ عَلَيْهِ فَمُلِئَ مَاءً ثُمّ قَذَفُوا فِيهِ الْآنِيَةَ" (سيرة ابن هشام -(ج 1 / ص 620) ودلائل النبوة للبيهقي (874) صحيح مرسل)

فهذا أمرٌ من أمور السياسة الحربيّة، وهو من أخص أمور الدنيا، ويدعوهم النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - للمشورة, ومع ذلك لا يبادرون بالردّ, لأنه إما وحيٌ, أو اجتهادٌ ممّن أحرى به أن يصيب الصواب!!

أين هذا ممن جعل كل خبر له - - صلى الله عليه وسلم - في أمور الدنيا، ولو كان خبرًا جازمًا ليس وحيًا؟!!

أرأيتم لو أمرهم - - صلى الله عليه وسلم - دون مشورة، ماذا كانوا سيفعلون؟! أرأيتم كيف خشوا أن يكون ما مال إليه من المصالح وحيًا؟!

مع أنه في أمر من أمور الدنيا، ومع أنه - - صلى الله عليه وسلم - يشاورهم فيه!! رحم الله الأنصار، وأبناء الأنصار!

وهذا الذي كان عليه الصحابة من طاعة النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - في كل أمر، سواء في الدين أو الدنيا، أكثر من أن يحتاج إلى انتزاع دليل عليه، أو أن نَنْصَب في تسويد صفحاتٍ فيه.

وما زال علماء الملّة كذلك، وهذه مصنّفاتهم من الموطأ للإمام مالك (ت179هـ) ، إلى المسانيد والمصنّفات، إلى كتب الصحاح والسنن = كلّها لا تفرّق بين أحاديث النبي - - صلى الله عليه وسلم - في أمور الدنيا عن أمور الدين، مَنْ كان يبوّب يبوّب بما يدل عليه لفظها، ومن كان لا يبوّب يوردها بالسياق الذي يورد فيه غيرها من السنن، فلا أمور الدنيا عندهم بدون أمور الدين في وجوب التثبت لها والتحرّي في شأنها، ولا تجنّبوا العناية بتدوينها وكتابتها، بل هي أحاديثُ النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - ،كلُّها عندهم سواء. بل نصّوا على التساهل في أحاديث الترغيب والترهيب والفضائل، ولا نصّوا على التساهل في أحاديث الطِّبّ مثلًا.

والعجب ممن يترك النصوص المتواترة والأدلّة المتكاثرة وإجماعَ علماء الأمّة، ليتمسّك بقول ابن خلدون (ت808هـ) عن الطب النبوي:« والطبُّ المنقولُ في الشرعيّات من هذا القبيل (يعني الطب التجريبي) ، وليس من الوحي في شيء، وإنما هو أمرٌ كان عاديًا للعرب، ووقَعَ في ذكر أحوال النبي - - صلى الله عليه وسلم - من نوع ذِكْر أحواله التي هي عادةٌ وجبلّةٌ، لا من جهة ولولا ضيق الوقت ونفاسة الزمان لأتيتُ على كل حديث من أحاديث الطبّ، اتّخذه بعض المعاصرين دليلًا على أنها ليست من الوحي, فأجبت عنها حديثًا حديثًا، ولكني أضع للقارئ قواعدَ الجوابِ عن استشكالاتهم على الأحاديث النبوية.

وقواعد الجواب هي:

-أن يكون الحديث غير صحيح، وربما كان باطلًا شنيع اللفظ، فيتخذونه دليلًا على أنه ليس بوحي. وكان الأولى بهم أن يتثبّتوا من صحّته أوّلًا، لكي لا ينسبوا إلى النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - ما يُنزَّهُ العقلاء عنه، فضلًا عن أفضل الخلق - - صلى الله عليه وسلم - .

-أن يكون فهمهم للحديث غير صحيح. حتى لقد وجدت بعضهم ينقل التأويل الصحيح للحديث المرويّ في الطب عن أهل العلم السابقين, ولجهله بأساليب البيان العربي يستنكر ذلك التأويل. فبدلًا من أن يفرح بأن فسّر له العلماءُ الحديثَ بما لا يخالف العلم المعاصر, إذا به يردّ ذلك التفسير؛ لأنه لابُدّ أن يُثبتَ خطأ النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - في ذلك الحديث!!

ليقول أخيرًا -مخالفًا مُحكمات النصوص-:إن أحاديث الطب ليست وحيًا!!!

أهذا شيءٌ يستحقّ كُلَّ ذلك التشمير؟!!

أحنظلٌ وعلى رؤوس النخل؟!!

-أن يكون العلم المعاصر لا يخالف الحديث، ومع ذلك يتسرّعون إلى ردّ الحديث بدعوى مخالفته له.

ولهذا صُور:إمّا أن الذي في العلم المعاصر مما لم يزل ظنًّا غير مجزومٍ به (نظريّة) ، ومع ذلك يتّخذه دليلًا على ردّ الحديث. وإمّا أن العلم المعاصر لم يدرس ما جاء في الحديث النبوي, فلا في العلم المعاصر ما يثبته ولا ما ينافيه، ومع ذلك يردّه هؤلاء؛ لأنّ ما لم يُثبته العلم عندهم ليس بثابت!! إلى هذا الحدّ بلغ غلوّهم في العلوم العصريّة على حساب ضعف ثقتهم بالسنَّة النبويّة!!!

وإمّا أن العلم المعاصر أثبت ما جاء في الحديث النبوي، لكن لجهلهم بالعلم المعاصر, ولعدم مواكبتهم لاكتشافاته الحديثة، جهلوا أنه قد توصّل إلى ما أنكروه، ونسبوا إليه جهلًا هذا الإنكار!!!

قلت:وقد قام الإجماع على وجوب طاعة النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - في كل مُحْكمٍ غير منسوخ ووجوب تصديقه في كل ما أخبر به؛ لأن هذا من المعلوم من الدين بالضرورة، ومن مقتضيات شهادة (أن محمدًا رسول الله) .

ولذلك قال ابن حزم في مراتب الإجماع (( 175 ) ):"واتّفقوا أن كلام رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - إذا صحَّ أنه كلامه بيقين:فواجبٌ اتّباعه.. واتّفقوا أنه لا يحل ترك ما صحّ من الكتاب والسنة". انظر كتابي السنة النبوية وأثرها في اختلاف الفقهاء -ط1 [ص 91-103]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت