عنها مطارد لا ينالها ولا يدنسها.إلا محاولة منه ترد كلما حاولها: «إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ» ..وما الشيطان؟ وكيف يحاول استراق السمع؟ وأي شيء يسترق؟ ..كل هذا غيب من غيب اللّه،لا سبيل لنا إليه إلا من خلال النصوص.ولا جدوى في الخوض فيه،لأنه لا يزيد شيئا في العقيدة ولا يثمر إلا انشغال العقل البشري بما ليس من اختصاصه،وبما يعطله عن عمله الحقيقي في هذه الحياة.ثم لا يضيف إليه إدراكا جديدا لحقيقة جديدة.فلنعلم أن لا سبيل في السماء لشيطان،وأن هذا الجمال الباهر فيها محفوظ،وأن ما ترمز إليه من سمو وعلى مصون لا يناله دنس ولا رجس،ولا يخطر فيه شيطان،وإلا طورد فطرد وحيل بينه وبين ما يريد.
ولا ننسى جمال الحركة في المشهد في رسم البرج الثابت،والشيطان الصاعد،والشهاب المنقض،فهي من بدائع التصوير في هذا الكتاب الجميل.
والخط الثاني في اللوحة العريضة الهائلة هو خط الأرض الممدودة أمام النظر،المبسوطة للخطو والسير وما فيها من رواس،وما فيها من نبت وأرزاق للناس ولغيرهم من الأحياء: «وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ،وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ.وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ» ..إن ظل الضخامة واضح في السياق.فالإشارة في السماء إلى البروج الضخمة - تبدو ضخامتها حتى في جرس كلمة «بروج» وحتى الشهاب المتحرك وصف من قبل بأنه «مبين» ..والإشارة في الأرض إلى الرواسي - ويتجسم ثقلها في التعبير بقوله: «وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ» .وإلى النبات موصوفا بأنه «موزون» وهي كلمة ذات ثقل،وإن كان معناها أن كل نبت في هذه الأرض في خلقه دقة وإحكام وتقدير ..ويشترك في ظل التضخيم جمع «معايش» وتنكيرها،وكذلك «ومن لستم له برازقين» من كل ما في الأرض من أحياء على وجه الإجمال والإبهام.فكلها تخلع ظل الضخامة الذي يجلل المشهد المرسوم.
والآية الكونية هنا تتجاوز الآفاق إلى الأنفس.فهذه الأرض الممدودة للنظر والخطو وهذه الرواسي الملقاة على الأرض،تصاحبها الإشارة إلى النبت الموزون ومنه إلى المعايش التي جعلها اللّه للناس في هذه الأرض.وهي الأرزاق المؤهلة للعيش والحياة فيها.وهي كثيرة شتى،يجملها السياق هنا ويبهمها لتلقي ظل الضخامة كما أسلفنا.جعلنا لكم فيها معايش،وجعلنا لكم كذلك «من لستم له برازقين» .فهم يعيشون على أرزاق اللّه التي جعلها لهم في الأرض.وما أنتم إلا أمة من هذه الأمم التي لا تحصى.أمة لا ترزق سواها إنما اللّه يرزقها ويرزق سواها،ثم يتفضل عليها فيجعل لمنفعتها ومتاعها وخدمتها أمما أخرى تعيش من رزق اللّه،ولا تكلفها شيئا.
هذه الأرزاق - ككل شيء- مقدرة في علم اللّه،تابعة لأمره ومشيئته،يصرفها حيث يشاء وكما يريد،في الوقت الذي يريده حسب سنته التي ارتضاها،وأجراها في الناس والأرزاق: «وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ،وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ» ..فما من مخلوق يقدر على شيء أو يملك شيئا،إنما خزائن