كل شيء- مصادره وموارده - عند اللّه.في علاه.ينزله على الخلق في عوالمهم «بقدر معلوم» فليس من شيء ينزل جزافا،وليس من شيء يتم اعتباطا.
ومدلول هذا النص المحكم: «وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ» يتجلى بوضوح أكثر كلما تقدم الإنسان في المعرفة،وكلما اهتدى إلى أسرار تركيب هذا الكون وتكوينه.ومدلول «خزائنه» يتجلى في صورة أقرب بعد ما كشف الإنسان طبيعة العناصر التي يتألف منها الكون المادي وطبيعة تركيبها وتحليلها - إلى حد ما - وعرف مثلا أن خزائن الماء الأساسية هي ذرات الايدروجين والأكسوجين! وأن من خزائن الرزق المتمثل في النبات الأخضر كله ذلك الآزوت الذي في الهواء! وذلك الكربون وذلك الأكسجين المركب في ثاني أكسيد الكربون! وتلك الأشعة التي ترسل بها الشمس أيضا! ومثل هذا كثير يوضح دلالة خزائن اللّه التي توصل الإنسان إلى معرفة شيء منها ..وهو شيء على كثرته قليل قليل ...
ومما يرسله اللّه بقدر معلوم الرياح والماء: «وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ،فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ.وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ» ..أرسلنا الرياح لواقح بالماء [1] ،كما تلقح الناقة بالنتاج فأنزلنا من السماء ماء مما حملت الرياح،فأسقينا كموه فعشتم به: «وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ» ..فما من خزائنكم جاء،إنما جاء من خزائن اللّه ونزل منها بقدر معلوم.
والرياح تنطلق وفق نواميس كونية،وتحمل الماء وفقا لهذه النواميس وتسقط الماء كذلك بحسبها.
ولكن من الذي قدر هذا كله من الأساس؟ لقد قدره الخالق،ووضع الناموس الكلي الذي تنشأ عنه كل الظواهر: «وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ،وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ» .
(1) - أراد بعضهم أن يفسر لواقح هنا بالمعنى العلمي الذي كشف وهو أن الرياح تحمل اللقاح من شجرة إلى شجرة. ولكن السياق هنا يشير إلى أنها لواقح بالماء دون سواه «فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه» وليس هناك ذكر ولو من بعيد للإنبات حتى يكون هناك ظل في المشهد للنبات،والتعبير القرآني دقيق في رسم ظلال المشاهد من قريب ومن بعيد. يدرك ذلك من يعيش في ظلال القرآن ناجيا من الشوائب والإيحاءات الغريبة،حتى يتكون له حس قرآني بريء من تلك الشوائب والإيحاءات الغريبة! وعندئذ يلفظ حسه كل تأويل غريب دخيل! (السيد رحمه الله )
قلت:ولا يمنع أن تكون لواقح للغيوم والأشجار وكل ما يقبل التلقيح،وفي أيسر التفاسير:وَيُرْسِلُ اللهُ تَعَالَى الرِّيَاحَ،فَتَلْقَحُ السَّحَابَ فَتَذُرُّ بِالمَاءِ،وَتَلْقَحُ الشَّجَرَ،فَتَتَفَتَّحُ عَنْ أَوْرَاقِهَا وَأَكْمَامِهَا وَأَثْمَارِهَا،فَهِيَ رِيَاحٌ يَكُونُ مِنْهَا الإِنْتَاجُ ( وَهَذِهِ الرِّيَاحُ هِيَ غَيْرُ الرِّيحِ العَقِيمِ التِي لاَ تُنْتِجُ شَيْئًا ) ،وَيُنْزِلُ اللهُ المَاءَ مِنَ السَّمَاءِ عَذْبًا تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَشْرَبُوا مِنْهُ،وَلَسْتُمْ أَنْتُمُ الذِينَ تَحْفَظُونَهُ،وَإِنَّمَا اللهُ هُوَ الذِي يَحْفَظُهُ فِي العُيُونِ وَالأَنْهَارِ وَالآبَارِ،لِيَسْتَقِي مِنْهُ النَّاسَ وَالأَنْعَامَ وَالزُّرُوعُ وَالأَشْجَارُ .أيسر التفاسير لأسعد حومد [ص 1825]
وقال الطاهر بن عاشور:"وَمَعْنَى الْإِلْقَاحِ أَنَّ الرِّيَاحَ تُلَقِّحُ السَّحَابَ بِالْمَاءِ بِتَوْجِيهِ عَمِلِ الْحَرَارَةِ وَالْبُرُودَةِ مُتَعَاقِبَيْنِ فَيَنْشَأُ عَنْ ذَلِكَ الْبُخَارُ الَّذِي يَصِيرُ مَاءً فِي الْجَوِّ ثُمَّ يَنْزِلُ مَطَرًا عَلَى الْأَرْضِ وَأَنَّهَا تُلَقِّحُ الشَّجَرَ ذِي الثَّمَرَةِ بِأَنْ تَنْقُلَ إِلَى نَوْرِهِ غَبْرَةً دَقِيقَةً مِنْ نَوْرِ الشَّجَرِ الذَّكَرِ فَتَصْلُحُ ثَمَرَتُهُ أَوْ تَثْبُتُ، وَبِدُونِ ذَلِكَ لَا تَثْبُتُ أَوْ لَا تَصْلُحُ. وَهَذَا هُوَ الْإِبَّارُ. وَبَعْضُهُ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِتَعْلِيقِ الطَّلْعِ الذَّكَرِ عَلَى الشَّجَرَةِ الْمُثْمِرَةِ. وَبَعْضُهُ يُكْتَفَى مِنْهُ بِغَرْسِ شَجَرَةٍ ذَكَرٍ فِي خِلَالِ شَجَرِ الثَّمَرِ.وَمِنْ بَلَاغَةِ الْآيَةِ إِيرَادُ هَذَا الْوَصْفِ لِإِفَادَةِ كِلَا الْعَمَلَيْنِ اللَّذَيْنِ تَعْمَلُهُمَا الرِّيَاحُ، وَقَدْ فُسِّرَتِ الْآيَةُ بِهِمَا."التحرير والتنوير [14 /38]