فهرس الكتاب

الصفحة 2759 من 4997

ونلحظ في التعبير أنه يرد كل حركة إلى اللّه حتى شرب الماء .. «فَأَسْقَيْناكُمُوهُ» ..والمقصود أننا جعلنا خلقتكم تطلب الماء،وجعلنا الماء صالحا لحاجتكم،وقدرنا هذا وذاك.وأجريناه وحققناه بقدر اللّه.والتعبير يجيء على هذا النحو لتنسيق الجو كله،ورجع الأمر كله إلى اللّه حتى في حركة تناول الماء للشراب.لأن الجو جو تعليق كل شيء في هذا الكون بإرادة اللّه المباشرة وقدره المتعلق بكل حركة وحادث ..سنة اللّه هنا في حركات الأفلاك كسنته هناك في حركات الأنفس ..تضمن المقطع الأول سنته في المكذبين،وتضمن المقطع الثاني سنته في السماوات والأرضين،وفي الرياح والماء والاستقاء.وكله من سنة اللّه التي يجري بها قدر اللّه.وهذه وتلك موصولتان بالحق الكبير الذي خلق اللّه به السماوات والأرض والناس والأشياء سواء.

ثم يتم السياق رجع كل شيء إلى اللّه،فيرد إليه الحياة والموت،والأحياء والأموات،والبعث والنشور. «وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ.وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ.وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ» ..وهنا يلتقي المقطع الثاني بالمقطع الأول.فهناك قال: «وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ،ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ» ..

وهنا يقرر أن الحياة والموت بيد اللّه،وأن اللّه هو الوارث بعد الحياة.وأنه هو يعلم من كتب عليهم أن يستقدموا فيتوفوا،ومن كتب عليهم أن يؤجلوا فيستأخروا في الوفاة وأنه هو الذي يحشرهم في النهاية،وإليه المصير: «إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ» ..يقدر لكل أمة أجلها بحكمته،ويعلم متى تموت،ومتى تحشر،وما بين ذلك من أمور ..

ونلاحظ في هذا المقطع وفي الذي قبله تناسقا في حركة المشهد.في تنزيل الذكر.وتنزيل الملائكة.وتنزيل الرجوم للشياطين.وتنزيل الماء من السماء ..ثم في المجال الذي يحيط بالأحداث والمعاني،وهو مجال الكون الكبير:السماء والبروج والشهب،والأرض والرواسي والنبات،والرياح والمطر ..فلما ضرب مثلا للمكابرة جعل موضوعه العروج من الأرض إلى السماء خلال باب منها مفتوح في ذات المجال المعروض ..وذلك من بدائع التصوير في هذا الكتاب العجيب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت