فهرس الكتاب

الصفحة 2764 من 4997

ذلك كله مع ثقلة الطين في طبعه،ومع خضوعه لضرورات الطين وحاجاته:من طعام وشراب ولباس وشهوات ونزوات.ومن ضعف وقصور وما ينشئه الضعف والقصور من تصورات ونزعات وحركات ..هذا مع أن هذا الكائن «مركّب» منذ البدء من هذين الأفقين اللذين لا ينفصلان فيه.طبيعته طبيعة «المركّب» لا طبيعة «المخلوط» أو «الممزوج!» ..ولا بد من ملاحظة هذه الحقيقة ودقة تصورها كلما تحدثنا عن تركيب الإنسان من الطين ومن النفخة العلوية التي جعلت منه هذا المخلوق الفريد التكوين ..إنه لا انفصال بين هذين الأفقين في تكوينه،ولا تصرف لأحدهما بدون الآخر في حالة واحدة من حالاته.إنه لا يكون طينا خالصا في لحظة،ولا يكون روحا خالصا في لحظة ولا يتصرف تصرفا واحدا إلا بحكم تركيبه الذي لا يقع فيه الانفصال! والتوازن بين خصائص العناصر الطينية فيه والعناصر العلوية هو الأفق الأعلى الذي يطلب إليه أن يبلغه،وهو الكمال البشري المقدر له.فليس مطلوبا منه أن يتخلى عن طبيعة أحد عنصريه ومطالبه ليكون ملكا أو ليكون حيوانا.وليس واحد منهما هو الكمال المنشود للإنسان.والارتفاع الذي يخل بالتوازن المطلق نقص بالقياس إلى هذا المخلوق وخصائصه الأصيلة،والحكمة التي من أجلها خلق على هذا النحو الخاص.

والذي يحاول أن يعطل طاقاته الجسدية الحيوية هو كالذي يحاول أن يعطل طاقاته الروحية الطليقة ..

كلاهما يخرج على سواء فطرته ويريد من نفسه ما لم يرده الخالق له.وكلاهما يدمر نفسه بتدمير ذلك المركب في كيانها الأصيل.وهو محاسب أمام اللّه على هذا التدمير.

من أجل هذا أنكر الرسول - صلى الله عليه وسلم - على من أراد أن يترهبن فلا يقرب النساء،ومن أراد أن يصوم الدهر فلا يفطر،ومن أراد أن يقوم الليل فلا ينام.أنكر عليهم فعن حُمَيْدَ بْنِ أَبِى حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ - رضى الله عنه - يَقُولُ جَاءَ ثَلاَثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا فَقَالُوا وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ .قَالَ أَحَدُهُمْ أَمَّا أَنَا فَإِنِّى أُصَلِّى اللَّيْلَ أَبَدًا .وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلاَ أُفْطِرُ .وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلاَ أَتَزَوَّجُ أَبَدًا .فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ « أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا أَمَا وَاللَّهِ إِنِّى لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ،لَكِنِّى أَصُومُ وَأُفْطِرُ،وَأُصَلِّى وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ،فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِى فَلَيْسَ مِنِّى » [1] .

وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ:زَوَّجَنِي أَبِي امْرَأَةً مِنْ قُرَيْشٍ،فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيَّ جَعَلْتُ لاَ أَنْحَاشُ لَهَا،مِمَّا بِي مِنَ الْقُوَّةِ عَلَى الْعِبَادَةِ،مِنَ الصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ،فَجَاءَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إِلَى كَنَّتِهِ،حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهَا،فَقَالَ لَهَا:كَيْفَ وَجَدْتِ بَعْلَكِ ؟ قَالَتْ:خَيْرَ الرِّجَالِ،أَوْ كَخَيْرِ الْبُعُولَةِ،مِنْ رَجُلٍ لَمْ يُفَتِّشْ لَنَا كَنَفًا،وَلَمْ يَعْرِفْ لَنَا فِرَاشًا،فَأَقْبَلَ عَلَيَّ،فَعَذَمَنِي،وَعَضَّنِي بِلِسَانِهِ،فَقَالَ:أَنْكَحْتُكَ امْرَأَةً مِنْ قُرَيْشٍ ذَاتَ

(1) - صحيح البخارى- المكنز [17 /84] 5063

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت