فهرس الكتاب

الصفحة 2763 من 4997

منها ما يجد إلى تحقيقه سبيلا مضمونة،ويبدل منها ما لا يثبت على البحث والتمحيص.غير متعارض في أية نتيجة يحققها مع الحقيقة الأولية التي تضمنها القرآن وهي ابتداء خلق هذه السلالة من عناصر الطين ودخول الماء في تركيبها على وجه اليقين.

فأما كيف ارتقى هذا الطين من طبيعته العنصرية المعروفة إلى أفق الحياة العضوية أولا،وإلى أفق الحياة الإنسانية أخيرا؟ فهنا السر الذي يعجز عن تعليله البشر أجمعون.وما يزال سر الحياة في الخلية الأولى خافيا لا يزعم أحد أنه اهتدى إليه.فأما سر الحياة الإنسانية العليا بما فيها من مدارك وإشراقات وطاقات متميزة على الخلائق الحيوانية جميعا،تفوقا حاسما فاصلا منذ بدء ظهور الإنسان.فأما هذا السر فما تزال النظريات تخبط حوله ولا تملك الآن أن تنكر تفرد الإنسان بخصائصه منذ نشأته كما أنها لا تملك أن تثبت الصلة المباشرة بينه وبين أي كائن قبله،مما يزعم بعضها أن الإنسان «تطور» عنه.كما أنها لا تملك نفي الاحتمال الآخر:

وهو نشأة الأجناس منفصلة منذ البدء - وإن كان بعضها أرقى من بعض - ثم نشأة هذا الإنسان متفردا منذ البدء أيضا.والقرآن الكريم يفسر لنا ذلك التفرد،هذا التفسير المجمل الواضح البسيط:

«فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ...» فهي روح اللّه تنقل هذا التكوين العضوي الوضيع إلى ذلك الأفق الإنساني الكريم،منذ بدء التكوين،وتجعله ذلك الخلق المتفرد الذي توكل إليه الخلافة في الأرض بحكم تفرد خصائصه منذ بدء التكوين.كيف؟ ..

ومتى كان في نطاق هذا المخلوق الإنساني أن يدرك كيف يفعل الخالق العظيم؟.

وهنا نصل إلى الأرض الصلبة التي نستوي عليها مطمئنين ..- لقد كان خلق الشيطان - من قبل - من نار السموم.فهو سابق إذن للإنسان في الخلق.هذا ما نعلمه.أما كيف هو وكيف كان خلقه.فذلك شأن آخر.ليس لنا أن نخوض فيه.إنما ندرك من صفاته بعض صفات نار السموم.ندرك من صفاته التأثير في عناصر الطين بحكم أنه من النار.والأذى والمسارعة فيه بحكم أنها نار السموم.ثم تنكشف لنا من ثنايا القصة صفة الغرور والاستكبار.وهي ليست بعيدة في التصور عن طبيعة النار! ولقد كان خلق الإنسان من عناصر هذا الطين اللزج المتحول إلى صلصال ثم من النفخة العلوية التي فرقت بينه وبين سائر الأحياء ومنحته خصائصه الإنسانية،التي أفردته منذ نشأته عن كل الكائنات الحية فسلك طريقا غير طريقها منذ الابتداء.بينما بقيت هي في مستواها الحيواني لا تتعداه! هذه النفخة التي تصله بالملأ الأعلى وتجعله أهلا للاتصال باللّه،وللتلقي عنه ولتجاوز النطاق المادي الذي تتعامل فيه العضلات والحواس،إلى النطاق التجريدي الذي تتعامل فيه القلوب والعقول.والتي تمنحه ذلك السر الخفي الذي يسرب به وراء الزمان والمكان،ووراء طاقة العضلات والحواس،إلى ألوان من المدركات وألوان من التصورات غير محدودة في بعض الأحيان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت