وشرابهم ومطالبهم الحيوية سواء ..كلاهما عدو «للإنسان» يجب أن يطارده كما يطارد الشيطان! إن الإنسان حيوان وزيادة ..فله مثل مطالب الحيوان،وله ما يقابل هذه الزيادة.وليست هذه المطالب دون هذه هي «المطالب الأساسية» كما يزعم أعداء الإنسان من أصحاب المذاهب المادية «العلمية» .
هذه بعض الخواطر التي تطلقها في النفس حقيقة تكوين الإنسان،كما يقررها القرآن.نمر بها سراعا،حتى لا نوقف تدفق النص القرآني في عرض مشاهد القصة الكبرى،راجين أن نعود إليها ببعض التعقيبات في نهايتها:لقد قال اللّه للملائكة: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29) } [الحجر:28 - 29] ..وقد كان ما قاله اللّه.فقوله - تعالى - إرادة.وتوجه الإرادة ينشئ الخلق المراد.ولا نملك أن نسأل كيف تلبست نفخة اللّه الأزلي الباقي بالصلصال المخلوق الفاني.فالجدل على هذا النحو عبث عقلي.بل عبث بالعقل ذاته،وخروج به عن الدائرة التي يملك فيها أسباب التصور والإدراك والحكم.وكل ما ثار من الجدل حول هذا الموضوع وكل ما يثور إن هو إلا جهل بطبيعة العقل البشري وخصائصه وحدوده،وإقحام له في غير ميدانه،ليقيس عمل الخالق إلى مدركات الإنسان،وهو سفه في إنفاق الطاقة العقلية،وخطأ في المنهج من الأساس.إنه يقول:كيف يتلبس الخالد بالفاني،وكيف يتلبس الأزلي بالحادث؟ ثم ينكر أو يثبت ويعلل! بينما العقل الإنساني ليس مدعوا أصلا للفصل في الموضوع.لأن اللّه يقول:إن هذا قد كان.ولا يقول:
كيف كان.فالأمر إذن ثابت ولا يملك العقل البشري أن ينفيه.وكذلك هو لا يملك أن يثبته بتفسير من عنده - غير التسليم بالنص - لأنه لا يملك وسائل الحكم.فهو حادث.والحادث لا يملك وسائل الحكم على الأزلي في ذاته،ولا على الأزلي في خلقه للحادث.وتسليم العقل ابتداء بهذه البديهية أو القضية - وهي أن الحادث لا يملك وسائل الحكم على الأزلي في أي صورة من صوره.يكفي ليكف العقل عن إنفاق طاقته سفها في غير مجاله المأمون.
فلننظر بعد ذلك ماذا كان: «فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ» ..كما هي طبيعة هذا الخلق - الملائكة - الطاعة المطلقة بلا جدل أو تعويق.
«إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ» ..وإبليس خلق آخر غير الملائكة.فهو من نار وهم من نور.وهم لا يعصون اللّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.وهو أبى وعصى.فليس هو من الملائكة بيقين.أما الاستثناء هنا فليس على وجهه.إنما هو كما تقول:حضر بنو فلان إلا أحمد.وليس منهم.إنما هو معهم في كل مكان أو ملابسة.وأما أن الأمر المذكور للملائكة: «وإذ قال ربك للملائكة» ..فكيف شمل إبليس؟ فإن صدور الأمر إلى إبليس يدل عليه ما بعده،وقد ذكر صريحا في سورة الأعراف: «قال:ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك؟» ..وأسلوب القرآن يكتفي بالدلالة اللاحقة في كثير من المواضع.فقول اللّه تعالى له: «ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ؟» ..قاطع في أن الأمر قد صدر