فهرس الكتاب

الصفحة 2767 من 4997

له.وليس من الضروري أن يكون هذا الأمر هو أمره للملائكة.فقد يصدر إليه معهم لاجتماعه بهم في ملابسة ما.وقد يصدر إليه منفردا ولا يذكر تهوينا لشأنه وإظهارا للملائكة في الموقف.ولكن المقطوع به من النصوص ومن دلالة تصرفه أنه ليس من الملائكة.وهذا ما نختاره.

وعلى أية حال فنحن نتعامل هنا مع مسلمات غيبية لا نملك تصور ماهياتها ولا كيفياتها في غير حدود النصوص.لأن العقل كما أسلفنا لا سبيل له في هذا المجال بحال من الأحوال.

«قالَ:يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ؟ قالَ:لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ» ..

وصرحت طبيعة الغرور والاستكبار والعصيان في ذلك المخلوق من نار السموم.وذكر إبليس الصلصال والحمأ،ولم يذكر النفخة العلوية التي تلابس هذا الطين.وتشامخ برأسه المغرور يقول:إنه ليس من شأنه في عظمته أن يسجد لبشر خلقه اللّه من صلصال من حمأ مسنون!.

وكان ما ينبغي أن يكون: «قالَ:فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ [1] وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ» .

جزاء العصيان والشرود.عندئذ تتبدى خليقة الحقد وخليقة الشر:قالَ:رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ» قال:فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم» ..

لقد طلب النظرة إلى يوم البعث،لا ليندم على خطيئته في حضرة الخالق العظيم،ولا ليتوب إلى اللّه ويرجع ويكفر عن إثمه الجسيم.ولكن لينتقم من آدم وذريته جزاء ما لعنه اللّه وطرده.يربط لعنة اللّه له بآدم،ولا يربطها بعصيانه للّه في تبجح نكير!

«قالَ:رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ.إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ» ..

وبذلك حدد إبليس ساحة المعركة.إنها الأرض: «لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ» ..

وحدد عدته فيها إنه التزيين.تزيين القبيح وتجميله،والإغراء بزينته المصطنعة على ارتكابه.وهكذا لا يجترح الإنسان الشر إلا وعليه من الشيطان مسحة تزينه وتجمله،وتظهره في غير حقيقته وردائه.فليفطن الناس إلى عدة الشيطان وليحذروا كلما وجدوا في أمر تزيينا،وكلما وجدوا من نفوسهم إليه اشتهاء.ليحذروا فقد يكون الشيطان هناك.إلا أن يتصلوا باللّه ويعبدوه حق عبادته،فليس للشيطان - بشرطه هو - على عباد اللّه المخلصين من سبيل: «وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ.إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ» ..واللّه يستخلص لنفسه من عباده من يخلص نفسه للّه،ويجردها له وحده،ويعبده كأنه يراه.وهؤلاء ليس للشيطان عليهم من سلطان.

هذا الشرط الذي قرره إبليس - اللعين - قرره وهو يدرك أن لا سبيل إلى سواه،لأنه سنة اللّه ..أن يستخلص لنفسه من يخلص له نفسه،وأن يحميه ويرعاه ..ومن ثم كان الجواب:«هذا صِراطٌ عَلَيَّ

(1) - رجيم:أي طريد مرجوم. ( السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت