واللمسة الثالثة في الأنفس والأزواج والأبناء والأحفاد وتبدأ بتقرير الصلة الحية بين الجنسين: «جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا» فهن من أنفسكم،شطر منكم،لا جنس أحط يتوارى من يبشر به ويحزن! «وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً» والإنسان الفاني يحس الامتداد في الأبناء والحفدة،ولمس هذا الجانب في النفس يثير أشد الحساسية ..ويضم إلى هبة الأبناء والأحفاد هبة الطيبات من الرزق للمشاكلة بين الرزقين ليعقب عليها بسؤال استنكاري: «أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ؟» فيشركون به ويخالفون عن أمره.وهذه النعم كلها من عطائه.وهي آيات على ألوهيته وهي واقعة في حياتهم،تلابسهم في كل آن ..أفبالباطل يؤمنون؟ وما عدا اللّه باطل،وهذه الآلهة المدعاة،والأوهام المدعاة كلها باطل لا وجود له،ولا حق فيه.وبنعمة اللّه هم يكفرون،وهي حق يلمسونه ويحسونه ويتمتعون به ثم يجحدونه.
«وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلا يَسْتَطِيعُونَ» ..
وإنه لعجيب أن تنحرف الفطرة إلى هذا الحد،فيتجه الناس بالعبادة إلى ما لا يملك لهم رزقا وما هو بقادر في يوم من الأيام،ولا في حال من الأحوال.ويدعون اللّه الخالق الرازق،وآلاؤه بين أيديهم لا يملكون إنكارها،ثم يجعلون للّه الأشباه والأمثال! «فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ.إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» ..إنه ليس للّه مثال،حتى تضربوا له الأمثال.
ثم يضرب لهم مثلين للسيد المالك الرازق وللمملوك العاجز الذي لا يملك ولا يكسب.لتقريب الحقيقة الكبرى التي غفلوا عنها.حقيقة أن ليس للّه مثال،وما يجوز أن يسووا في العبادة بين اللّه وأحد من خلقه وكلهم لهم عبيد: «ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيء، وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا.هَلْ يَسْتَوُونَ؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ.بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ.«وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ:أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ.هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ؟» والمثل الأول مأخوذ من واقعهم،فقد كان لهم عبيد مملوكون،لا يملكون شيئا ولا يقدرون على شيء.
وهم لا يسوون بين العبد المملوك العاجز والسيد المالك المتصرف.فكيف يسوون بين سيد العباد ومالكهم وبين أحد أو شيء مما خلق.وكل مخلوقاته له عبيد؟
والمثل الثاني يصور الرجل الأبكم الضعيف البليد الذي لا يدري شيئا ولا يعود بخير.والرجل القوي المتكلم الآمر بالعدل،العامل المستقيم على طريق الخير ..ولا يسوي عاقل بين هذا وذاك.فكيف تمكن التسوية بين صنم أو حجر،وبين اللّه سبحانه وهو القادر العليم الآمر بالمعروف،الهادي إلى الصراط المستقيم؟
وبهذين المثلين يختم الشوط الذي بدأ بأمر اللّه للناس ألا يتخذوا إلهين اثنين،وختم بالتعجيب من أمر قوم يتخذون إلهين اثنين!