فهرس الكتاب

الصفحة 2835 من 4997

عَظِيمٌ.ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ،وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ.أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ،وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ.لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ».

ولقد لقي المسلمون الأوائل في مكة من الأذى ما لا يطيقه إلا من نوى الشهادة،وآثر الحياة الأخرى،ورضي بعذاب الدنيا عن العودة إلى ملة الكفر والضلال.

والنص هنا يغلظ جريمة من كفر باللّه من بعد إيمانه.لأنه عرف الإيمان وذاقه،ثم ارتد عنه إيثارا للحياة الدنيا على الآخرة.فرماهم بغضب من اللّه،وبالعذاب العظيم،والحرمان من الهداية ووصمهم بالغفلة وانطماس القلوب والسمع والأبصار وحكم عليهم بأنهم في الآخرة هم الخاسرون ..ذلك أن العقيدة لا يجوز أن تكون موضع مساومة،وحساب للربح والخسارة.ومتى آمن القلب باللّه فلا يجوز أن يدخل عليه مؤثر من مؤثرات هذه الأرض فللأرض حساب،وللعقيدة حساب ولا يتداخلان.وليست العقيدة هزلا،وليست صفقة قابلة للأخذ والرد فهي أعلى من هذا وأعز.ومن ثم كل هذا التغليظ في العقوبة،والتفظيع للجريمة.

واستثنى من ذلك الحكم الدامغ من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان.أي من أظهر الكفر بلسانه نجاة لروحه من الهلاك،وقلبه ثابت على الإيمان مرتكن إليه مطمئن به.وقد روي أن هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر.

روى ابن جرير عن أَبِي عبيدة بن مُحَمَّد بن عمار، عَنْ أبيه، قَالَ:أخذ المشركون عمار بن ياسر، فلم يتركوه حتى سبّ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، وذكر آلهتهم بخير ثُمَّ تركوه، فلما أتى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ:"مَا وراءك شيء؟"، قَالَ:شر، مَا تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير، قَالَ:"كيف تجد قلبك؟"، قَالَ:مطمئن بالإيمان، قَالَ:"إِنَّ عادوا فعد، فنزلت:"إِلا مِنَ اكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ"" [1] ...فكانت رخصة في مثل هذه الحال.

وقد أبى بعض المسلمين أن يظهروا الكفر بلسانهم مؤثرين الموت على لفظة باللسان.كذلك صنعت سمية أم ياسر،وهي تطعن بالحربة في موضع العفة حتى تموت وكذلك صنع أبوه ياسر.

قال ابن كثير [2] :ولهذا اتفق العلماء على أنه يجوز أن يُوَالى المكرَه على الكفر، إبقاءً لمهجته، ويجوز له أن يستقتل، كما كان بلال رضي الله عنه يأبى عليهم ذلك وهم يفعلون به الأفاعيل، حتى أنهم ليضعون الصخرة العظيمة على صدره في شدَّة الحر، ويأمرونه أن يشرك بالله فيأبى عليهم وهو يقول:أحَد، أحَد.ويقول:والله لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلتها، رضي الله عنه وأرضاه.

(1) - تفسير ابن أبي حاتم [9 /122] (13525 ) وتفسير ابن كثير - دار طيبة [4 /605] وتفسير الطبري - مؤسسة الرسالة [17 /304] صحيح

(2) - تفسير ابن كثير - دار طيبة [4 /606]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت