فهرس الكتاب

الصفحة 2864 من 4997

«وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ،وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنْشُورًا.اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا» .وطائر كل إنسان ما يطير له من عمله،أي ما يقسم له من العمل،وهو كناية عما يعمله.وإلزامه له في عنقه تصوير للزومه إياه وعدم مفارقته على طريقة القرآن في تجسيم المعاني وإبرازها في صورة حسية.فعمله لا يتخلف عنه وهو لا يملك التملص منه.وكذلك التعبير بإخراج كتابه منشورا يوم القيامة.فهو يصور عمله مكشوفا،لا يملك إخفاءه،أو تجاهله أو المغالطة فيه.ويتجسم هذا المعنى في صورة الكتاب المنشور،فإذا هو أعمق أثرا في النفس وأشد تأثيرا في الحس وإذا الخيال البشري يلاحق ذلك الطائر ويلحظ هذا الكتاب في فزع طائر من اليوم العصيب،الذي تتكشف فيه الخبايا والأسرار،ولا يحتاج إلى شاهد أو حسيب: «اقْرَأْ كِتابَكَ.كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا» .وبذلك الناموس الكوني الدقيق ترتبط قاعدة العمل والجزاء: «مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى » ..

فهي التبعة الفردية التي تربط كل إنسان بنفسه إن اهتدى فلها،وإن ضل فعليها.وما من نفس تحمل وزر أخرى،وما من أحد يخفف حمل أحد.إنما يسأل كل عن عمله،ويجزى كل بعمله ولا يسأل حميم حميما ..وقد شاءت رحمة اللّه ألا يأخذ الإنسان بالآيات الكونية المبثوثة في صفحات الوجود،وألا يأخذه بعهد الفطرة الذي أخذه على بني آدم في ظهور آبائهم [1] ، إنما يرسل إليهم الرسل منذرين ومذكرين: «وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا» وهي رحمة من اللّه أن يعذر إلى العباد قبل أن يأخذهم بالعذاب.

كذلك تمضي سنة اللّه في إهلاك القرى وأخذ أهلها في الدنيا،مرتبطة بذلك الناموس الكوني الذي يصرف الليل والنهار: «وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا» .

والمترفون في كل أمة هم طبقة الكبراء الناعمين الذين يجدون المال ويجدون الخدم ويجدون الراحة،فينعمون بالدعة وبالراحة وبالسيادة،حتى تترهل نفوسهم وتأسن،وترتع في الفسق والمجانة،وتستهتر بالقيم والمقدسات والكرامات،وتلغ في الأعراض والحرمات،وهم إذا لم يجدوا من يضرب على أيديهم عاثوا في الأرض فسادا،ونشروا الفاحشة في الأمة وأشاعوها،وأرخصوا القيم العليا التي لا تعيش الشعوب إلا بها ولها.ومن ثم تتحلل الأمة وتسترخي،وتفقد حيويتها وعناصر قوتها وأسباب بقائها،فتهلك وتطوى صفحتها.

والآية تقرر سنة اللّه هذه.فإذا قدر اللّه لقرية أنها هالكة لأنها أخذت بأسباب الهلاك،فكثر فيها المترفون،فلم تدافعهم ولم تضرب على أيديهم،سلط اللّه هؤلاء المترفين ففسقوا فيها،فعم فيها

(1) - يرجع الجزء الأول والجزء التاسع من هذه الظلال. (السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت