وعقب القصة يضرب مثلا للحياة الدنيا وسرعة زوالها بعد ازدهارها: «وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ،فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ،فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ،وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا» .
ويعقب عليه ببيان للقيم الزائلة والقيم الباقية: «الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا،وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا» .
وذو القرنين لا يذكر لأنه ملك،ولكن يذكر لأعماله الصالحة.وحين يعرض عليه القوم الذين وجدهم بين السدين أن يبني لهم سدا يحميهم من يأجوج ومأجوج في مقابل أن يعطوه مالا،فإنه يرد عليهم ما عرضوه من المال،لأن تمكين اللّه له خير من أموالهم «قالَ:ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ» .وحين يتم السد يرد الأمر للّه لا لقوته البشرية: «قالَ:هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي،فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا» .
وفي نهاية السورة يقرر أن أخسر الخلق أعمالا،هم الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه وهؤلاء لا وزن لهم ولا قيمة وإن حسبوا أنهم يحسنون صنعا: «قُلْ:هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا؟ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْنًا» .
وهكذا نجد محور السورة هو تصحيح العقيدة.وتصحيح منهج الفكر والنظر.وتصحيح القيم بميزان العقيدة.
ويسير سياق السورة حول هذه الموضوعات الرئيسية في أشواط متتابعة:
تبدأ السورة بالحمد للّه الذي أنزل على عباده الكتاب للإنذار والتبشير.تبشير المؤمنين وإنذار الذين قالوا:اتخذ اللّه ولدا وتقرير أن ما على الأرض من زينة إنما هو للابتلاء والاختبار،والنهاية إلى زوال وفناء ..ويتلو هذا قصة أصحاب الكهف.وهي نموذج لإيثار الإيمان على باطل الحياة وزخرفها،والالتجاء إلى رحمة اللّه في الكهف،هربا بالعقيدة أن تمس.
ويبدأ الشوط الثاني بتوجيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يصبر نفسه مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه،وأن يغفل الغافلين عن ذكر اللّه ..ثم تجيء قصة الجنتين تصور اعتزاز القلب المؤمن باللّه،واستصغاره لقيم الأرض ..وينتهي هذا الشوط بتقرير القيم الحقيقية الباقية.
والشوط الثالث يتضمن عدة مشاهد متصلة من مشاهد القيامة تتوسطها إشارة قصة آدم وإبليس ..وينتهي ببيان سنة اللّه في إهلاك الظالمين،ورحمة اللّه وإمهاله للمذنبين إلى أجل معلوم.
وتشغل قصة موسى مع العبد الصالح الشوط الرابع.وقصة ذي القرنين الشوط الخامس.