فهرس الكتاب

الصفحة 2959 من 4997

فحتى جرس ألفاظها وفواصلها فيه رخاء وفيه عمق:رضيا.سريا.حفيا.نجيا ..فأما المواضع التي تقتضي الشد والعنف،فتجيء فيها الفاصلة مشددة دالا في الغالب.مدّا.ضدّا.إدّا،هدّا،أو زايا:عزّا.أزّا.

وتنوع الإيقاع الموسيقي والفاصلة والقافية بتنوع الجو والموضوع يبدو جليا في هذه السورة [1] .فهي تبدأ بقصة زكريا ويحيى فتسير الفاصلة والقافية هكذا: «ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا.إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا ...إلخ» .

وتليها قصة مريم وعيسى فتسير الفاصلة والقافية على النظام نفسه:«وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا.فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجابًا فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا

...إلخ» إلى أن ينتهي القصص،ويجيء التعقيب،لتقرير حقيقة عيسى ابن مريم،وللفصل في قضية بنوته.فيختلف نظام الفواصل والقوافي ..تطول الفاصلة،وتنتهي القافية بحرف الميم أو النون المستقر الساكن عند الوقف لا بالياء الممدودة الرخية.على النحو التالي: «ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ.ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ:كُنْ فَيَكُونُ ...إلخ» .

حتى إذا انتهى التقرير والفصل وعاد السياق إلى القصص عادت القافية الرخية المديدة: «وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا.إِذْ قالَ لِأَبِيهِ:يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا ..إلخ» .

حتى إذا جاء ذكر المكذبين وما ينتظرهم من عذاب وانتقام،تغير الإيقاع الموسيقي وجرس القافية:

«قُلْ:مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا.حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا ..إلخ» .

وفي موضع الاستنكار يشتد الجرس والنغم بتشديد الدال: «وَقالُوا:اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا.لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا،تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا ...إلخ» .

وهكذا يسير الإيقاع الموسيقي في السورة وفق المعنى والجو ويشارك في إبقاء الظل الذي يتناسق مع المعنى في ثنايا السورة،وفق انتقالات السياق من جو إلى جو ومن معنى إلى معنى.

ويسير السياق مع موضوعات السورة في أشواط ثلاثة:

الشوط الأول يتضمن قصة زكريا ويحيى،وقصة مريم وعيسى.والتعقيب على هذه القصة بالفصل في قضية عيسى التي كثر فيها الجدل،واختلفت فيها أحزاب اليهود والنصارى.

والشوط الثاني يتضمن حلقة من قصة إبراهيم مع أبيه وقومه واعتزاله لملة الشرك وما عوضه اللّه من ذرية نسلت بعد ذلك أمة.ثم إشارات إلى قصص النبيين،ومن اهتدى بهم ومن خلفهم من الغواة

(1) - يراجع هذا الموضوع بتوسع في فصل التناسق الفني في القرآن في كتاب:التصوير الفني في القرآن «دار الشروق» . (السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت