وقعت التوبة وصح الإيمان،وصدقه العمل فهنا يأخذ الإنسان في الطريق،على هدى من الإيمان،وعلى ضمانة من العمل الصالح.فالاهتداء هنا ثمرة ونتيجة للمحاولة والعمل ..
وإلى هنا ينتهي مشهد النصر والتعقيب عليه.فيسدل الستار حتى يرفع على مشهد المناجاة الثانية إلى جانب الطور الأيمن ...
لقد واعد اللّه موسى - عليه السلام - على الجبل ميعادا ضربه له ليلقاه بعد أربعين يوما لتلقي التكاليف:
تكاليف النصر بعد الهزيمة.وللنصر تكاليفه،وللعقيدة تكاليفها،ولا بد من تهيؤ نفسي واستعداد للتلقي.وصعد موسى إلى الجبل،وترك قومه في أسفله،وترك عليهم هارون نائبا عنه ..
لقد غلب الشوق على موسى إلى مناجاة ربه،والوقوف بين يديه،وقد ذاق حلاوتها من قبل،فهو إليها مشتاق عجول.ووقف في حضرة مولاه.وهو لا يعلم ما وراءه،ولا ما أحدث القوم بعده حين تركهم في أسفل الجبل.
وهنا ينبئه ربه بما كان خلفه ..فلنشهد المشهد ولنسمع الحوار: «وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى ؟ قالَ:هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي،وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى .قالَ:فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ» .وهكذا فوجىء موسى ..إنه عجلان إلى ربه،بعد ما تهيأ واستعد أربعين يوما،ليلقاه ويتلقى منه التوجيه الذي يقيم عليه حياة بني إسرائيل الجديدة.وقد استخلصهم من الذل والاستعباد،ليصوغ منهم أمة ذات رسالة،وذات تكاليف.
ولكن الاستعباد الطويل والذل الطويل في ظل الفرعونية الوثنية كان قد أفسد طبيعة القوم وأضعف استعدادهم لاحتمال التكاليف والصبر عليها،والوفاء بالعهد والثبات عليه وترك في كيانهم النفسي خلخلة واستعدادا للانقياد والتقليد المريح ..فما يكاد موسى يتركهم في رعاية هارون ويبعد عنهم قليلا حتى تتخلخل عقيدتهم كلها وتنهار أمام أول اختيار.ولم يكن بد من اختبارات متوالية وابتلاء ات متكررة لإعادة بنائهم النفسي.وكان أول ابتلاء هو ابتلاؤهم بالعجل الذي صنعه لهم السامري: «قالَ:فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ،وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ» ولم يكن لدى موسى علم بهذا الابتلاء ،حتى لقي ربه،وتلقى الألواح وفي نسختها هدى،وبها الدستور التشريعي لبناء بني إسرائيل بناء يصلح للمهمة التي هم منتدبون لها.
وينهي السياق موقف المناجاة هنا على عجل ويطويه،ليصور انفعال موسى - عليه السلام - مما علم من أمر الفتنة،ومسارعته بالعودة،وفي نفسه حزن وغضب،على القوم الذين أنقذهم اللّه على يديه من الاستعباد والذل في ظل الوثنية ومن عليهم بالرزق الميسر والرعاية الرحيمة في الصحراء وذكرهم منذ قليل بآلائه،وحذرهم الضلال وعواقبه.ثم ها هم أولاء يتبعون أول ناعق إلى الوثنية،وإلى عبادة العجل! ولم يذكر هنا ما أخبر اللّه به موسى من تفصيلات الفتنة،استعجالا في عرض موقف العودة إلى