فهرس الكتاب

الصفحة 3012 من 4997

قومه.ولكن السياق يشي بهذه التفصيلات.فلقد عاد موسى غضبان أسفا يوبخ قومه ويؤنب أخاه.فلا بد أنه كان يعلم شناعة الفعلة التي أقدموا عليها: «فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفًا.قالَ:يا قَوْمِ:أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا؟ أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ؟ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي قالُوا:ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا،وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها،فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ،فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ،فَقالُوا:هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ،أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا،وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا؟ وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ:يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ،وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي.قالُوا:لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى !» .

هذه هي الفتنة يكشف السياق عنها في مواجهة موسى بقومه وقد أخر كشفها عن موقف المناجاة،واحتفظ بتفصيلاتها لتظهر في مشهد التحقيق الذي يقوم به موسى ..

لقد رجع موسى ليجد قومه عاكفين على عجل من الذهب له خوار يقولون:هذا إلهكم وإله موسى.وقد نسي موسى فذهب يطلب ربه على الجبل وربه هنا حاضر! فراح موسى يسألهم في حزن وغضب: «يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا؟» وقد وعدهم اللّه بالنصر ودخول الأرض المقدسة في ظل التوحيد ولم يمض على هذا الوعد وإنجاز مقدماته طويل وقت.ويؤنبهم في استنكار: «أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ؟ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ؟» فعملكم هذا عمل من يريد أن يحل عليه غضب من اللّه كأنما يتعمد ذلك تعمدا،ويقصد إليه قصدا! ..أفطال عليكم العهد؟ أم تعمدتم حلول الغضب «فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي» وقد تواعدنا على أن تبقوا على عهدي حتى أعود إليكم،لا تغيرون في عقيدتكم ولا منهجكم بغير أمري؟

عندئذ يعتذرون بذلك العذر العجيب،الذي يكشف عن أثر الاستعباد الطويل،والتخلخل النفسي والسخف العقلي: «قالُوا:ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا» فلقد كان الأمر أكبر من طاقتنا! «وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها» ..وقد حملوا معهم أكداسا من حلي المصريات كانت عارية عند نسائهم فحملنها معهن.فهم يشيرون إلى هذه الأحمال.ويقولون:لقد قذفناها تخلصا منها لأنها حرام.فأخذها السامري فصاغ منها عجلا.والسامري رجل من «سامراء» كان يرافقهم أو أنه واحد منهم يحمل هذا اللقب.وجعل له منافذ إذا دارت فيها الريح أخرجت صوتا كصوت الخوار،ولا حياة فيه ولا روح فهو جسد - ولفظ الجسد يطلق على الجسم الذي لا حياة فيه - فما كادوا يرون عجلا من ذهب يخور حتى نسوا ربهم الذي أنقذهم من أرض الذل،وعكفوا على عجل الذهب وفي بلاهة فكر وبلادة روح قالوا: «هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى » راح يبحث عنه على الجبل،وهو هنا معنا.وقد نسي موسى الطريق إلى ربه وضل عنه! وهي قولة تضيف إلى معنى البلادة والتفاهة اتهامهم لنبيهم الذي أنقذهم تحت عين اللّه وسمعه،وبتوجيهه وإرشاده.اتهامهم له بأنه غير موصول بربه،حتى ليضل الطريق إليه،فلا هو يهتدي ولا ربه يهديه! ذلك فضلا على وضوح الخدعة:«أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت