البيت من كل فج،رجالا يسعون على أقدامهم،وركوبا «عَلى كُلِّ ضامِرٍ» جهده السير فضمر من الجهد والجوع: «وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ» ..
وما يزال وعد اللّه يتحقق منذ إبراهيم - عليه السلام - إلى اليوم والغد.وما تزال أفئدة من الناس تهوى إلى البيت الحرام وترف إلى رؤيته والطواف به ..الغني القادر الذي يجد الظهر يركبه ووسيلة الركوب المختلفة تنقله والفقير المعدم الذي لا يجد إلا قدميه.وعشرات الألوف من هؤلاء يتقاطرون من فجاج الأرض البعيدة تلبية لدعوة اللّه التي أذن بها إبراهيم - عليه السلام - منذ آلاف الأعوام ..
ويقف السياق عند بعض معالم الحج وغاياته: «لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ،وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ.ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ» ..
والمنافع التي يشهدها الحجيج كثير.فالحج موسم ومؤتمر.الحج موسم تجارة وموسم عبادة.والحج مؤتمر اجتماع وتعارف،ومؤتمر تنسيق وتعاون.وهو الفريضة التي تلتقي فيها الدنيا والآخرة كما تلتقي فيها ذكريات العقيدة البعيدة والقريبة ..أصحاب السلع والتجارة يجدون في موسم الحج سوقا رائجة،حيث تجبى إلى البلد الحرام ثمرات كل شيء ..من أطراف الأرض ويقدم الحجيج من كل فج ومن كل قطر،ومعهم من خيرات بلادهم ما تفرق في أرجاء الأرض في شتى المواسم.يتجمع كله في البلد الحرام في موسم واحد.فهو موسم تجارة ومعرض نتاج وسوق عالمية تقام في كل عام.
وهو موسم عبادة تصفو فيه الأرواح،وهي تستشعر قربها من اللّه في بيته الحرام.وهي ترف حول هذا البيت وتستروح الذكريات التي تحوم عليه وترف كالأطياف من قريب ومن بعيد ..
طيف إبراهيم الخليل - عليه السلام - وهو يودع البيت فلذة كبده إسماعيل وأمه،ويتوجه بقلبه الخافق الواجف إلى ربه: «رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ.رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ.فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ،وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ» ..
وطيف هاجر،وهي تستروح الماء لنفسها ولطفلها الرضيع في تلك الحرة المتلهبة حول البيت،وهي تهرول بين الصفا والمروة وقد نهكها العطش،وهدها الجهد وأضناها الإشفاق على الطفل ..ثم ترجع في الجولة السابعة وقد حطمها اليأس لتجد النبع يتدفق بين يدي الرضيع الوضيء.وإذا هي زمزم.ينبوع الرحمة في صحراء اليأس والجدب.
وطيف إبراهيم - عليه السلام - وهو يرى الرؤيا،فلا يتردد في التضحية بفلذة كبده،ويمضي في الطاعة المؤمنة إلى ذلك الأفق البعيد: «قالَ:يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى ؟» فتجيبه الطاعة الراضية في إسماعيل - عليه السلام: «قالَ:يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ،سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ» ..