فهرس الكتاب

الصفحة 3089 من 4997

وإذا رحمة اللّه تتجلى في الفداء: «وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ.إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ.وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ» ..

وطيف إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - يرفعان القواعد من البيت،في إنابة وخشوع: «رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ،وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا،إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» ..

وتظل هذه الأطياف وتلك الذكريات ترف وتتتابع،حتى يلوح طيف عبد المطلب،وهو ينذر دم ابنه العاشر إن رزقه اللّه عشرة أبناء.وإذا هو عبد اللّه.وإذا عبد المطلب حريصا على الوفاء بالنذر.وإذا قومه من حوله يعرضون عليه فكرة الفداء وإذا هو يدير القداح حول الكعبة ويضاعف الفداء،والقدح يخرج في كل مرة على عبد اللّه،حتى يبلغ الفداء مائة ناقة بعد عشر هي الدية المعروفة.فيقبل منه الفداء،فينحر مائة وينجو عبد اللّه.ينجو ليودع رحم آمنة أطهر نطفة وأكرم خلق اللّه على اللّه - محمد رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ثم يموت! فكأنما فداه اللّه من الذبح لهذا القصد الوحيد الكريم الكبير! ثم تتواكب الأطياف والذكريات.من محمد رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وهو يدرج في طفولته وصباه فوق هذا الثرى،حول هذا البيت ..وهو يرفع الحجر الأسود بيديه الكريمتين فيضعه موضعه ليطفىء الفتنة التي كادت تنشب بين القبائل ..وهو يصلي ..وهو يطوف ..وهو يخطب ..وهو يعتكف ..وإن خطواته - عليه الصلاة والسلام - لتنبض حية في الخاطر،وتتمثل شاخصة في الضمير،يكاد الحاج هناك يلمحها وهو مستغرق في تلك الذكريات ..وخطوات الحشد من صحابته الكرام وأطيافهم ترف وتدف فوق هذا الثرى،حول ذلك البيت،تكاد تسمعها الأذن وتكاد تراها الأبصار!

والحج بعد ذلك كله مؤتمر جامع للمسلمين قاطبة.مؤتمر يجدون فيه أصلهم العريق الضارب في أعماق الزمن منذ أبيهم إبراهيم الخليل: «مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا» ..ويجدون محورهم الذي يشدهم جميعا إليه:هذه القبلة التي يتوجهون إليها جميعا ويلتقون عليها جميعا ..ويجدون رايتهم التي يفيئون إليها.راية العقيدة الواحدة التي تتوارى في ظلها فوارق الأجناس والألوان والأوطان ..ويجدون قوتهم التي قد ينسونها حينا.قوة التجمع والتوحد والترابط الذي يضم الملايين.الملايين التي لا يقف لها أحد لو فاءت إلى رايتها الواحدة التي لا تتعدد ..راية العقيدة والتوحيد وهو مؤتمر للتعارف والتشاور وتنسيق الخطط وتوحيد القوى،وتبادل المنافع والسلع والمعارف والتجارب.

وتنظيم ذلك العالم الإسلامي الواحد الكامل المتكامل مرة في كل عام.في ظل اللّه.بالقرب من بيت اللّه.وفي ظلال الطاعات البعيدة والقريبة،والذكريات الغائبة والحاضرة.في أنسب مكان،وأنسب جو،وأنسب زمان ..فذلك إذ يقول اللّه سبحانه: «لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ» ..كل جيل بحسب ظروفه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت