وتوقي غضبه يندفع الناس لتحقيق هذه القواعد.ومن سلطان اللّه في الضمائر،وسلطان شريعته في المجتمع تقوم الحراسة على هذه القواعد كذلك.
ثم لا بد من الإيمان أيضا ليملك الدعاة إلى الخير،الآمرون بالمعروف،الناهون عن المنكر،أن يمضوا في هذا الطريق الشاق،ويحتملوا تكاليفه.وهم يواجهون طاغوت الشر في عنفوانه وجبروته،ويواجهون طاغوت الشهوة في عرامتها وشدتها،ويواجهون هبوط الأرواح،وكلل العزائم،وثقلة المطامع ..
وزادهم هو الإيمان،وعدتهم هي الإيمان.وسندهم هو اللّه ..وكل زاد سوى زاد الإيمان ينفد.وكل عدة سوى عدة الإيمان تفلّ،وكل سند غير سند اللّه ينهار! وقد سبق في السياق الأمر التكليفي للجماعة المسلمة أن ينتدب من بينها من يقومون بالدعوة إلى الخير،والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،أما هنا فقد وصفها اللّه سبحانه بأن هذه صفتها.ليدلها على أنها لا توجد وجودا حقيقيا إلا أن تتوافر فيها هذه السمة الأساسية،التي تعرف بها في المجتمع الإنساني.فإما أن تقوم بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - مع الإيمان باللّه - فهي موجودة وهي مسلمة.وإما أن لا تقوم بشيء من هذا فهي غير موجودة،وغير متحققة فيها صفة الإسلام.
وفي القرآن الكريم مواضع كثيرة تقرر هذه الحقيقة،ندعها لمواضعها.وفي السنة كذلك طائفة صالحة من أوامر الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتوجيهاته نقتطف بعضها:
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ،قَالَ:أَخْرَجَ مَرْوَانُ الْمِنْبَرَ فِي يَوْمِ عِيدٍ،وَبَدَأَ بِالْخُطْبَةِ قَبْلَ الصَّلاَةِ،فَقَامَ رَجُلٌ،فَقَالَ:يَا مَرْوَانُ،خَالَفْتَ السُّنَّةَ،أَخْرَجْتَ الْمِنْبَرَ فِي يَوْمِ عِيدٍ،وَلَمْ يَكُنْ يَخْرُجُ،وَبَدَأْتَ بِالْخُطْبَةِ قَبْلَ الصَّلاَةِ،وَلَمْ يَكُنْ يُبْدَأُ بِهَا،فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ:مَنْ هَذَا ؟ قَالُوا:فُلاَنُ بْنُ فُلاَنٍ،قَالَ أَبُو سَعِيدٍ:أَمَّا هَذَا فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ.زَادَ إِسْحَاقُ:سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ،يَقُولُ:مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ،فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنَّ يُغَيِّرَهُ بِيَدِهِ فَبِلِسَانِهِ،فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ،وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ." [1] "
وعَنْ عَبْدِ اللهِ،قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:لَمَّا وَقَعَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِي الْمَعَاصِي،نَهَتْهُمْ عُلَمَاؤُهُمْ،فَلَمْ يَنْتَهُوا،فَجَالَسُوهُمْ فِي مَجَالِسِهِمْ،قَالَ يَزِيدُ:أَحْسِبُهُ قَالَ:وَأَسْوَاقِهِمْ،وَوَاكَلُوهُمْ وَشَارَبُوهُمْ،فَضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ،وَلَعَنَهُمْ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ،وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ،ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ،وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مُتَّكِئًا،فَجَلَسَ،فَقَالَ:لاَ،وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ،حَتَّى تَأْطُرُوهُمْ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا." [2] أي تعطفوهم وتردوهم."
وعَنْ عَبْدِ اللهِ،قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:"هَلْ تَدْرُونَ فِيمَا سَخِطَ اللهُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ؟"قَالُوا:اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ،قَالَ:"إِنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَرَى الرَّجُلَ مِنْهُمْ عَلَى مَعْصِيَةٍ فَيَنْهَاهُ بَعْدَ النَّهْيِ،ثُمَّ يَلْقَاهُ بَعْدُ فَيُصَافِحُهُ وَيُوَاكِلُهُ وَيُشَارِبُهُ،كَأَنَّهُ لَمْ يَرَهُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ حَتَّى كَثُرَ ذَلِكَ فِيهِمْ،فَلَمَّا رَأَى الله عَزَّ وَجَلَّ"
(1) - صحيح مسلم- المكنز - (186 ) وصحيح ابن حبان - (1 / 542) (307)
(2) - مسند أحمد (عالم الكتب) - (2 / 47) (3713) حسن -تأطر:تعطفه عليه وتوجهه إليه