فهرس الكتاب
من هم المؤمنون.الوارثون.الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون؟
إنهم هؤلاء الذين يفصل السياق صفاتهم بعد آية الافتتاح:
«الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ.
«وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ.
«وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ.
« وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ ...إلخ.
«وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ.
«وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ» .
فما قيمة هذه الصفات؟
قيمتها أنها ترسم شخصية المسلم في أفقها الأعلى.أفق محمد - صلى الله عليه وسلم - رسول اللّه،وخير خلق اللّه،الذي أدبه ربه فأحسن تأديبه،والذي شهد له في كتابه بعظمة خلقه: «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ» ..
عَنْ يَزِيدَ بْنِ بَابَنُوسَ قَالَ:دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْنَا:يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ،مَا كَانَ خُلُقُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ؟ قَالَتْ:كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ،تَقْرَؤُونَ سُورَةَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَتِ:اقْرَأْ:قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ،قَالَ يَزِيدُ:فَقَرَأْتُ:قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ إِلَى لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ،قَالَتْ:هَكَذَا كَانَ خُلُقُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -" [1] "
و عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ،قَالَ:سَأَلْتُ عَائِشَةَ،فَقُلْتُ:أَخْبِرِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ؟ فَقَالَتْ:كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ. [2]
وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ:سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَالَتْ:"كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ:يَرْضَى لِرِضَاهُ، وَيَسْخَطُ لِسَخَطِهِ" [3]
ومرة أخرى ..ما قيمة هذه الصفات في ذاتها؟ ما قيمتها في حياة الفرد،وفي حياة الجماعة،وفي حياة النوع الإنساني؟
«الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ» ..تستشعر قلوبهم رهبة الموقف في الصلاة بين يدي اللّه،فتسكن وتخشع،فيسري الخشوع منها إلى الجوارح والملامح والحركات.ويغشى أرواحهم جلال اللّه في حضرته،فتختفي من أذهانهم جميع الشواغل،ولا تشتغل بسواه وهم مستغرقون في الشعور به مشغولون بنجواه.ويتوارى عن حسهم في تلك الحضرة القدسية كل ما حولهم وكل ما بهم،فلا يشهدون إلا
(1) - الْأَدَبُ الْمُفْرَدِ لِلْبُخَارِيِّ >> بَابُ مَنْ دَعَا اللَّهَ أَنْ يُحَسِّنَ خُلُقَهُ >> (317 ) حسن
(2) - مسند أحمد (عالم الكتب) [8 /305] (25302) 25816 صحيح
(3) - شرح مشكل الآثار [11 /265] (4434) حسن
قال الطحاوي:"وَهَذَا أَيْضًا أَحْسَنُ مَا يَكُونُ النَّاسُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ أَحْسَنُ مِنْ آدَابِ الْقُرْآنِ وَمِنْ مَا دَعَا اللهُ النَّاسَ فِيهِ إِلَيْهِ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى ذَلِكَ غَيْرَ خَارِجٍ عَنْهُ إِلَى مَا سِوَاهُ ."