فهرس الكتاب
اللّه،ولا يحسون إلا إياه،ولا يتذوقون إلا معناه.ويتطهر وجدانهم من كل دنس،وينفضون عنهم كل شائبة فما يضمون جوانحهم على شيء من هذا مع جلال اللّه ..عندئذ تتصل الذرة التائهة بمصدرها،وتجد الروح الحائرة طريقها،ويعرف القلب الموحش مثواه.وعندئذ تتضاءل القيم والأشياء والأشخاص إلا ما يتصل منها باللّه.
« وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ» ..لغو القول،ولغو الفعل،ولغو الاهتمام والشعور.إن للقلب المؤمن ما يشغله عن اللغو واللهو والهذر ..له ما يشغله من ذكر اللّه،وتصور جلاله وتدبر آياته في الأنفس والآفاق.وكل مشهد من مشاهد الكون يستغرق اللب،ويشغل الفكر،ويحرك الوجدان ..وله ما يشغله من تكاليف العقيدة:تكاليفها في تطهير القلب،وتزكية النفس وتنقية الضمير.وتكاليفها في السلوك،ومحاولة الثبات على المرتقى العالي الذي يتطلبه الإيمان.وتكاليفها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،وصيانة حياة الجماعة من الفساد والانحراف.وتكاليفها في الجهاد لحمايتها ونصرتها وعزتها،والسهر عليها من كيد الأعداء ..
وهي تكاليف لا تنتهي،ولا يغفل عنها المؤمن،ولا يعفي نفسه منها،وهي مفروضة عليه فرض عين أو فرض كفاية.وفيها الكفاية لاستغراق الجهد البشري والعمر البشري.والطاقة البشرية محدودة.وهي إما أن تنفق في هذا الذي يصلح الحياة وينميها ويرقيها وإما أن تنفق في الهذر واللغو واللهو.والمؤمن مدفوع بحكم عقيدته إلى إنفاقها في البناء والتعمير والإصلاح.
ولا ينفي هذا أن يروح المؤمن عن نفسه في الحين بعد الحين.ولكن هذا شيء آخر غير الهذر واللغو والفراغ ..
« وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ» ..بعد إقبالهم على اللّه،وانصرافهم عن اللغو في الحياة ..والزكاة طهارة للقلب والمال:طهارة للقلب من الشح،واستعلاء على حب الذات،وانتصار على وسوسة الشيطان بالفقر،وثقة بما عند اللّه من العوض والجزاء.وطهارة للمال تجعل ما بقي منه بعدها طيبا حلالا،لا يتعلق به حق - إلا في حالات الضرورة - ولا تحوم حوله شبهة.وهي صيانة للجماعة من الخلل الذي ينشئه العوز في جانب والترف في جانب،فهي تأمين اجتماعي للأفراد جميعا،وهي ضمان اجتماعي للعاجزين،وهي وقاية للجماعة كلها من التفكك والانحلال.
«وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ» .وهذه طهارة الروح والبيت والجماعة.ووقاية النفس والأسرة والمجتمع.بحفظ الفروج من دنس المباشرة في غير حلال،وحفظ القلوب من التطلع إلى غير حلال وحفظ الجماعة من انطلاق الشهوات فيها بغير حساب،ومن فساد البيوت فيها والأنساب.
والجماعة التي تنطلق فيها الشهوات بغير حساب جماعة معرضة للخلل والفساد.لأنه لا أمن فيها للبيت،ولا حرمة فيها للأسرة.والبيت هو الوحدة الأولى في بناء الجماعة،إذ هو المحضن الذي تنشأ فيه