فهرس الكتاب
الأليم.يعاني من العار،ويعاني فجيعة القلب ويعاني فوق ذلك الوحشة المؤرقة.الوحشة من نور اللّه الذي اعتاد أن ينير له الطريق ..والشك يعمل في قلبه - مع وجود القرائن الكثيرة على براءة أهله،ولكنه لا يطمئن نهائيا إلى هذه القرائن - والفرية تفوح في المدينة،وقلبه الإنساني المحب لزوجه الصغيرة يتعذب بالشك فلا يملك أن يطرد الشك.لأنه في النهاية بشر،ينفعل في هذا انفعالات البشر.وزوج لا يطيق أن يمس فراشه.
ورجل تتضخم بذرة الشك في قلبه متى استقرت،ويصعب عليه اقتلاعها دون دليل حاسم.
وها هو ذا يثقل عليه العبء وحده،فيبعث إلى أسامة بن زيد.حبه القريب إلى قلبه ..ويبعث إلى علي ابن أبي طالب.ابن عمه وسنده.يستشيرهما في خاصة أمره.فأما علي فهو من عصب محمد،وهو شديد الحساسية بالموقف لهذا السبب.ثم هو شديد الحساسية بالألم والقلق اللذين يعتصران قلب محمد،ابن عمه وكافله.فهو يشير بأن اللّه لم يضيق عليه.ويشير مع هذا بالتثبت من الجارية ليطمئن قلب رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ويستقر على قرار.وأما أسامة فيدرك ما بقلب رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - من الود لأهله،والتعب لخاطر الفراق،فيشير بما يعلمه من طهارة أم المؤمنين،وكذب المفترين الأفاكين.
ورسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - في لهفة الإنسان،وفي قلق الإنسان،يستمد من حديث أسامة،ومن شهادة الجارية مددا وقوة يواجه بهما القوم في المسجد،فيستعذر ممن نالوا عرضه،ورموا أهله،ورموا رجلا من فضلاء المسلمين لا يعلم أحد عليه من سوء ..فيقع بين الأوس والخزرج ما يقع من تناور - وهم في مسجد رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وفي حضرة رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ويدل هذا على الجو الذي كان يظلل الجماعة المسلمة في هذه الفترة الغريبة،وقد خدشت قداسة القيادة،ويحز هذا في نفس الرسول - صلى الله عليه وسلم - والنور الذي اعتاد أن يسعفه لا ينير له الطريق! فإذا هو يذهب إلى عائشة نفسها يصارحها بما يقول الناس ويطلب منها هي البيان الشافي المريح! وعند ما تصل الآلام إلى ذروتها على هذا النحو يتعطف عليه ربه،فيتنزل القرآن ببراءة عائشة الصديقة الطاهرة وبراءة بيت النبوة الطيب الرفيع ويكشف المنافقين الذين حاكوا هذا الإفك،ويرسم الطريق المستقيم للجماعة المسلمة في مواجهة مثل هذا الشأن العظيم.
ولقد قالت عائشة عن هذا القرآن الذي تنزل: «وأنا واللّه أعلم حينئذ أني بريئة،وأن اللّه تعالى مبرئي ببراءتي.ولكني واللّه ما كنت أظن أن ينزل اللّه تعالى في شأني وحيا يتلى.ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم اللّه فيّ بأمر يتلى.ولكن كنت أرجو أن يرى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - في النوم رؤيا يبرئني اللّه تعالى بها» ..
ولكن الأمر - كما يبدو من ذلك الاستعراض - لم يكن أمر عائشة - رضي اللّه عنها - ولا قاصرا على شخصها.فلقد تجاوزها إلى شخص الرسول - صلى الله عليه وسلم - ووظيفته في الجماعة يومها.بل تجاوزه إلى صلته بربه ورسالته كلها.وما كان حديث الإفك رمية لعائشة وحدها،إنما كان رمية للعقيدة في شخص نبيها وبانيها ..من أجل ذلك أنزل اللّه القرآن ليفصل في القضية المبتدعة،ويرد المكيدة