فهرس الكتاب
نبيها الذي تؤمن به ورجلها الذي تحبه،يقول لها: «أما بعد فإنه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك اللّه تعالى،وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري اللّه تعالى وتوبي إليه،فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب اللّه عليه» ..فتعلم أنه شاك فيها،لا يستيقن من طهارتها،ولا يقضي في تهمتها.وربه لم يخبره بعد،ولم يكشف له عن براءتها التي تعلمها ولكن لا تملك إثباتها فتمسي وتصبح وهي متهمة في ذلك القلب الكبير الذي أحبها،وأحلها في سويدائه! وها هو ذا أبو بكر الصديق - في وقاره وحساسيته وطيب نفسه - يلذعه الألم،وهو يرمى في عرضه.في ابنته زوج محمد - صاحبه الذي يحبه ويطمئن إليه،ونبيه الذي يؤمن به ويصدقه تصديق القلب المتصل،لا يطلب دليلا من خارجه ..وإذا الألم يفيض على لسانه،وهو الصابر المحتسب القوي على الألم،فيقول:واللّه ما رمينا بهذا في جاهلية.أفنرضى به في الإسلام؟ وهي كلمة تحمل من المرارة ما تحمل.حتى إذا قالت له ابنته المريضة المعذبة:أجب عني رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - قال في مرارة هامدة:واللّه ما أدري ما أقول لرسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ! وأم رومان - زوج الصديق رضي اللّه عنهما - وهي تتماسك أمام ابنتها المفجوعة في كل شيء.المريضة التي تبكي حتى تظن أن البكاء فالق كبدها.فتقول لها:يا بنية هوني على نفسك الشأن،فو اللّه لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها ..ولكن هذا التماسك يتزايل وعائشة تقول لها:أجيبي عني رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فتقول كما قال زوجها من قبل:واللّه ما أدري ما أقول لرسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - !
والرجل المسلم الطيب الطاهر المجاهد في سبيل اللّه صفوان بن المعطل.وهو يرمى بخيانة نبيه في زوجه.
فيرمى بذلك في إسلامه،وفي أمانته،وفي شرفه،وفي حميته.وفي كل ما يعتز به صحابي،وهو من ذلك كله بريء.وهو يفاجأ بالاتهام الظالم وقلبه بريء من تصوره،فيقول:سبحان اللّه! واللّه ما كشفت كتف أنثى قط.ويعلم أن حسان بن ثابت يروج لهذا الإفك عنه،فلا يملك نفسه أن يضربه بالسيف على رأسه ضربة تكاد تودي به.ودافعه إلى رفع سيفه على امرئ مسلم،وهو منهي عنه،أن الألم قد تجاوز طاقته،فلم يملك زمام نفسه الجريح! ثم ها هو ذا رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وهو رسول اللّه،وهو في الذروة من بني هاشم ..ها هو ذا يرمى في بيته.وفي من؟ في عائشة التي حلت من قلبه في مكان الابنة والزوجة والحبيبة.وها هو ذا يرمى في طهارة فراشه،وهو الطاهر الذي تفيض منه الطهارة.وها هو ذا يرمى في صيانة حرمته،وهو القائم على الحرمات في أمته.وها هو ذا يرمى في حياطة ربه له،وهو الرسول المعصوم من كل سوء.
ها هو ذا - صلى الله عليه وسلم - يرمى في كل شيء حين يرمى في عائشة - رضي اللّه عنها - يرمى في فراشه وعرضه،وقلبه ورسالته.يرمى في كل ما يعتز به عربي،وكل ما يعتز به نبي ..ها هو ذا يرمى في هذا كله ويتحدث الناس به في المدينة شهرا كاملا،فلا يملك أن يضع لهذا كله حدا.واللّه يريد لحكمة يراها أن يدع هذا الأمر شهرا كاملا لا يبين فيه بيانا.ومحمد الإنسان يعاني ما يعانيه الإنسان في هذا الموقف