فهرس الكتاب

الصفحة 3197 من 4997

النفوس،ولتقدير ظروف الناس في بيوتهم،وما يلابسها من ضرورات لا يجوز أن يشقى بها أهلها ويحرجوا أمام الطارقين في ليل أو نهار.

وبعد الاستئذان إما أن يكون في البيوت أحد من أهلها أو لا يكون.فإن لم يكن فيها أحد فلا يجوز اقتحامها بعد الاستئذان،لأنه لا دخول بغير إذن: «فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ» ..

وإن كان فيها أحد من أهلها فإن مجرد الاستئذان لا يبيح الدخول فإنما هو طلب للإذن.فإن لم يأذن أهل البيت فلا دخول كذلك.ويجب الانصراف دون تلكؤ ولا انتظار: «وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ:ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ» ..ارجعوا دون أن تجدوا في أنفسكم غضاضة.ودون أن تستشعروا من أهل البيت الإساءة إليكم،أو النفرة منكم.فللناس أسرارهم وأعذارهم.ويجب أن يترك لهم وحدهم تقدير ظروفهم وملابساتهم في كل حين.

«وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ» ..فهو المطلع على خفايا القلوب وعلى ما فيها من دوافع ومثيرات.

فأما البيوت العامة كالفنادق والمثاوى والبيوت المعدة للضيافة منفصلة عن السكن،فلا حرج في الدخول إليها بغير استئذان،دفعا للمشقة ما دامت علة الاستئذان منتفية: «لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ» .. «وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ» ..فالأمر معلق باطلاع اللّه على ظاهركم وخافيكم ورقابته لكم في سركم وعلانيتكم.وفي هذه الرقابة ضمان لطاعة القلوب،وامتثالها لذلك الأدب العالي،الذي يأخذها اللّه به في كتابه،الذي يرسم للبشرية نهجها الكامل في كل اتجاه.

إن القرآن منهاج حياة.فهو يحتفل بهذه الجزئية من الحياة الاجتماعية ،ويمنحها هذه العناية،لأنه يعالج الحياة كليا وجزئيا،لينسق بين أجزائها وبين فكرتها الكلية العليا بهذا العلاج.فالاستئذان على البيوت يحقق للبيوت حرمتها التي تجعل منها مثابة وسكنا.ويوفر على أهلها الحرج من المفاجأة،والضيق بالمباغتة،والتأذي بانكشاف العورات ..وهي عورات كثيرة،تعني غير ما يتبادر إلى الذهن عند ذكر هذه اللفظة ..إنها ليست عورات البدن وحدها.إنما تضاف إليها عورات الطعام،وعورات اللباس،وعورات الأثاث،التي قد لا يحب أهلها أن يفاجئهم عليها الناس دون تهيؤ وتجمل وإعداد.وهي عورات المشاعر والحالات النفسية ،فكم منا يحب أن يراه الناس وهو في حالة ضعف يبكي لانفعال مؤثر،أو يغضب لشأن مثير،أو يتوجع لألم يخفيه عن الغرباء؟! وكل هذه الدقائق يرعاها المنهج القرآني بهذا الأدب الرفيع،أدب الاستئذان ويرعى معها تقليل فرص النظرات السانحة والالتقاءات العابرة،التي طالما أيقظت في النفوس كامن الشهوات والرغبات وطالما نشأت عنها علاقات ولقاءات،يدبرها الشيطان،ويوجهها في غفلة عن العيون الراعية،والقلوب الناصحة،هنا أو هناك! ولقد وعاها الذين آمنوا يوم خوطبوا بها أول مرة عند نزول هذه الآيات.وبدأ بها رسول اللّه - عليه الصلاة والسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت