الطاقة البشرية بهموم أخرى في الحياة،غير تلبية دافع اللحم والدم،فلا تكون هذه التلبية هي المنفذ الوحيد!
وفي الآيتين المعروضتين هنا نماذج من تقليل فرص الاستثارة والغواية والفتنة من الجانبين: «قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ:يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ،وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ.ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ.إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ»
وغض البصر من جانب الرجال أدب نفسي،ومحاولة للاستعلاء على الرغبة في الاطلاع على المحاسن والمفاتن في الوجوه والأجسام.كما أن فيه إغلاقا للنافذة الأولى من نوافذ الفتنة والغواية.ومحاولة عملية للحيلولة دون وصول السهم المسموم! وحفظ الفرج هو الثمرة الطبيعية لغض البصر.أو هو الخطوة التالية لتحكيم الإرادة،ويقظة الرقابة،والاستعلاء على الرغبة في مراحلها الأولى.ومن ثم يجمع بينهما في آية واحدة بوصفهما سببا ونتيجة أو باعتبارهما خطوتين متواليتين في عالم الضمير وعالم الواقع.كلتاهما قريب من قريب.
«ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ» ..فهو أطهر لمشاعرهم وأضمن لعدم تلوثها بالانفعالات الشهوية في غير موضعها المشروع النظيف،وعدم ارتكاسها إلى الدرك الحيواني الهابط.وهو أطهر للجماعة وأصون لحرماتها وأعراضها،وجوها الذي تتنفس فيه.واللّه هو الذي يأخذهم بهذه الوقاية وهو العليم بتركيبهم النفسي وتكوينهم الفطري،الخبير بحركات نفوسهم وحركات جوارحهم: «إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ» ..
«وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ:يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ» ..فلا يرسلن بنظراتهن الجائعة المتلصصة،أو الهاتفة المثيرة،تستثير كوامن الفتنة في صدور الرجال.ولا يبحن فروجهن إلا في حلال طيب،يلبي داعي الفطرة في جو نظيف،لا يخجل الأطفال الذين يجيئون عن طريقه عن مواجهة المجتمع والحياة! «وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها» ..والزينة حلال للمرأة،تلبية لفطرتها.فكل أنثى مولعة بأن تكون جميلة،وأن تبدو جميلة.والزينة تختلف من عصر إلى عصر ولكن أساسها في الفطرة واحد،هو الرغبة في تحصيل الجمال أو استكماله،وتجليته للرجال.
والإسلام لا يقاوم هذه الرغبة الفطرية ولكنه ينظمها ويضبطها،ويجعلها تتبلور في الاتجاه بها إلى رجل واحد - هو شريك الحياة - يطلع منها على ما لا يطلع أحد سواه.ويشترك معه في الاطلاع على بعضها،المحارم والمذكورون في الآية بعد،ممن لا يثير شهواتهم ذلك الاطلاع.
فأما ما ظهر من الزينة في الوجه واليدين،فيجوز كشفه.لأن كشف الوجه واليدين مباح، فعَنْ عَائِشَةَ رضى الله عنها أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِى بَكْرٍ دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَعَلَيْهَا ثِيَابٌ رِقَاقٌ فَأَعْرَضَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَقَالَ « يَا أَسْمَاءُ إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا بَلَغَتِ الْمَحِيضَ لَمْ تَصْلُحْ أَنْ يُرَى مِنْهَا إِلاَّ هَذَا وَهَذَا » .وَأَشَارَ إِلَى وَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ [1] .
(1) - سنن أبي داود - المكنز [4 /106] ( 4106) حسن لغيره